في كل مرة نتصفح فيها الإنترنت، نترك بصمة رقمية تكشف عن اهتماماتنا، وميولنا، وحتى قناعاتنا. هذه البصمات لا تذهب سُدى، بل تستقبلها أنظمة توصية (Recommendation Systems) فائقة الذكاء تعد جزءًا من ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية. هذه الأنظمة هدفها المعلن هو تحسين تجربتنا كمستخدمين عن طريق عرض المحتوى الذي يوافق ذائقتنا. لكن كيف تفعل هذا؟ وهل هذا حقًا هو كل ما تفعله؟
يبدأ الأمر مع فتحنا للحساب الأول على منصة ما على الإنترنت، وهنا لا تعرف عنا أنظمة التوصية سوى معلومات بسيطة (كالفئة العمرية، والبلد الذي نعيش فيه، والنوع الاجتماعي، إلخ)، ولهذا تقوم باستخدام خوارزميات توصية مختلفة تسمى بالخوارزميات المعتمدة على الخصائص. هذه الخوارزميات تقوم باقتراح المحتوى الرائج لدى الأشخاص الأقرب إلى (فئتنا العمرية، نوعنا الاجتماعي، موقعنا الجغرافي) كمحتوى موصى به، ثم تبدأ بمراقبة سلوكنا مع هذا المحتوى لتعزيز توصياتها أو تحديثها بما يتناسب مع ميولنا. يتطلب هذا التحديث أسابيع أو أشهر من التصفح، ويزداد طول المدة كلما قلّ تشابهنا مع من يحملون خصائصنا الديموغرافية، وهذا ما حدث معي عندما فتحت حسابًا جديدًا على إنستغرام قبل عام. هذه الفترة كفيلة بتغيير قناعات الكثيرين ودفعهم ليكونوا نسخًا جديدة ممن يشبهونهم في تلك الخصائص.
ولنفترض أننا نجحنا في تجاوز أمر تغيير قناعتنا، وأننا أصبحنا نعيش في بحبوحة من المحتوى الذي نريده، فهل هذا هو كل شيء؟ في الواقع تقوم خوارزميات أنظمة التوصية بما هو أعمق من مجرد اقتراح فيلم أو مقال أو إعلان. إنها مع الوقت تبني حول كلٍ منا وببطء، فقاعة لا نراها ولا نشعر بها ولكنها تحيط بعالمنا الرقمي كله. داخل هذه الفقاعة، يُعرض علينا ما يؤكد أفكارنا، ويدعم مواقفنا، ويتوافق مع نظرتنا للعالم. في المقابل يُحجب عنا كل ما قد يتحدّى هذه القناعات ويدفع بتطورنا نحو الأمام. فبعيدًا عن وعودها بتوفير بيئة رقمية مريحة، وعن نجاحها في تسهيل الوصول لكل ما يوافق قناعاتنا، إلا أنها تتحول، وخصوصًا فيما يتعلق باقتراح المحتوى، إلى مسبب للتزمت الفكري. حيث تبدأ آراؤنا بالتصلّب فتصبح حقائق غير قابلة للنقاش، ليس لأنها بالضرورة صحيحة، بل لأننا لم نعد نرى أي دليل على وجود وجهة نظر أخرى. حينها يصبح الآخر القابع في فقاعته الخاصة مثلنا، غريبًا ومخطئًا، وتتحول مساحات الحوار المشتركة إلى ساحات للنزاع.
الأخطر في هذا الانعزال الفكري أنه لا يأتي نتيجة قرار واعٍ منا، بل هو أثر جانبي – مقصود أو غير مقصود – لهندسة أنظمة تضع تحقيق أرباح مالكيها – عبر إطالة أمد تفاعلنا أو بقائنا في تطبيقاتهم أو مواقعهم الإلكترونية – هدفًا أساسياً لهذه الأنظمة. وبما أننا لا نختار العزلة بل نُقاد إليها خوارزميًا. فعلى من تقع مسؤولية ثقب هذه الفقاعات؟ هل على الشركات التي تصمم هذه الخوارزميات، حتى لو تعارض ذلك مع مصالحها التجارية، أم على عاتقنا كأفراد؟ ثم إن لم تستجب لنا هذه الشركات؟ هل من طرقٍ لدفع المجتمعات نحو البحث عن آراء تخالفها لنبقى متصلين بواقعنا الإنساني المشترك؟”
في رأيي، أعتقد أن إدراكنا لوجود هذه الفقاعات هو الخطوة الأولى نحو التحرر منها. فالعلم بأن رؤيتنا للعالم قد تكون نسخة مُعدّلة خوارزميًا، هو ما قد يدفعنا إلى محاولة ثقب هذه الجدران، ليس فقط لنرى الآخرين، بل لنرى أنفسنا بشكل أوضح. فعلى الجانب الفكري، يمكننا أن نعتبر الوعي بآلية عمل هذه الأنظمة شكلاً من أشكال المقاومة الرقمية. فكل مرة نكسر فيها دائرة التوصيات عبر البحث عمدًا عن محتوى خارج نطاق اهتماماتنا المعتادة، نمارس نوعًا من التحرر المعرفي. وعندما نقرأ وجهة نظر نختلف معها، أو نتابع شخصًا لا يشبهنا في الرأي، أو نشاهد محتوى من ثقافة مغايرة، فإننا نمدّ جسورًا صغيرة نحو العالم الحقيقي خارج الفقاعة. هذه الجسور قد تكون ضئيلة في البداية، لكنها مع الوقت ستخلق توازنًا معرفيًا يحمي عقولنا من الانغلاق.
إن تنمية الوعي النقدي لدى المستخدمين وغرس مفهوم التحقق من المصدر وتنوّع الرؤية وتشجيع النقاشات المفتوحة في مجتمعاتنا بلا شك سيساعد الأجيال الجديدة على التمييز بين ما يُعرض عليها وما تختاره بحرية. فالمعرفة الحقيقية لا تنمو في بيئة متجانسة، بل في تضاد الأفكار وتلاقحها. من جهة أخرى، على شركات التكنولوجيا أن تتحمل جزءًا من المسؤولية الأخلاقية في الحد من تأثير هذه الأنظمة. إذ يمكنها أن تصمم أنظمة أكثر توازنًٍا تُدرج عن قصد محتوى متنوع – وإن لم يتوافق تمامًا مع ميولنا – لتعيد إلينا شيئًا من التعدد الذي نفتقده في تجربتنا الرقمية. قد يبدو هذا مخالفًا لآليات الربح التي تحكم تلك الشركات، لكنه استثمار في وعي المستخدمين وفي استدامة المجتمعات الرقمية على المدى الطويل.
في النهاية، يجب أن ندرك أن خوارزميات التوصية لا إرادة لها فهي تعكس سلوكنا وأهداف مصمميها. وبما أننا نحن من يصنعها ويغذيها فنحن أيضًا من يملك القدرة على توجيهها. وبرغم أن هدفنا للوصول إلى فضاء رقمي متوازن بعيد إلا أن أول الخطوات إليه تبدأ من وعينا الفردي بأن نعيد لأنفسنا حقّ الاختيار لا أن نتركه بين أيديها

