تقييم الشركات في 2026: التوقف عن “التسعير” والبدء في “التقييم”
في عالم الاستثمار، نرتكب خطأً فادحاً عندما نخلط بين السعر (Price) والقيمة (Value). السعر هو ما تمليه سيكولوجية السوق وتدفقات السيولة، أما القيمة فهي نتاج التدفقات النقدية، النمو، والمخاطر. ونحن في عام 2026، مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يولد توقعات متفائلة بلا حدود، أصبح العودة إلى أساسيات التقييم “الرصين” ضرورة لا خياراً.
1. وهم المقارنات (The Relative Valuation Trap)
يقضي معظم المحللين وقتهم في استخدام “المضاعفات” (Multiples)؛ يخبرونك أن هذه الشركة “رخيصة” لأن مكرر ربحيتها أقل من منافسيها. هذا ليس تقييماً، هذا تسعير. إذا كنت تقيم شركة مثل “البنك العربي” أو أي عملاق تكنولوجي اليوم، لا تنظر إلى ما يدفع الجار، بل انظر إلى ما تولده الشركة من نقد. في بيئة الفائدة الحالية لعام 2026، المضاعفات خادعة لأنها تخفي داخلها فروقات جوهرية في هيكل رأس المال والمخاطر السيادية.
2. القصة خلف الأرقام (The Story Matters)
كل رقم تضعه في نموذج التدفقات النقدية المخصومة (DCF) هو في الحقيقة “جزء من قصة”.
-
إذا وضعت معدل نمو بنسبة 10%، فأنت تحكي قصة عن استحواذ على حصة سوقية.
- إذا وضعت هامش ربح بنسبة 20%، فأنت تحكي قصة عن كفاءة تشغيلية وميزة تنافسية (Moat).
التقييم بدون قصة هو مجرد “تمرين في الإكسل”، والقصة بدون أرقام هي مجرد “خيال علمي”. التحدي اليوم هو: هل تستطيع قصتك الصمود أمام الأرقام التاريخية والواقع الاقتصادي؟
3. “تآكل” الميزة التنافسية في عصر الذكاء الاصطناعي
لطالما تحدثنا عن “الخنادق الاقتصادية” (Moats). في 2026، أصبحت هذه الخنادق تتبخر بسرعة. الذكاء الاصطناعي خفّض حواجز الدخول في قطاعات كثيرة. عند تقييم أي شركة الآن، يجب زيادة “معدل الفشل” (Failure Rate) في نماذجنا. الشركات التي لا تملك بيانات حصرية أو علاقة عميقة مع العميل لن تستطيع الحفاظ على عوائدها الزائدة (Excess Returns) لفترة طويلة.
4. تكلفة رأس المال: ليست مجرد رقم نظري
إن تكلفة رأس المال (Cost of Capital) هي “آلة الحقيقة”. هي تعكس ليس فقط مخاطر السوق، بل مخاطر الدولة والعملة. بالنسبة للمستثمرين في منطقة الشرق الأوسط، تقييم الشركات يتطلب إضافة “علاوة مخاطر دول” (Country Risk Premium) دقيقة. لا يمكنك استخدام معدلات الخصم الأمريكية لتقييم أصول في أسواق ناشئة؛ هذا كسل تحليلي يؤدي لنتائج كارثية.
“أفضل تقييم هو الأبسط. إذا لم تستطع شرح القيمة على ورقة صغيرة دون اللجوء لمعادلات معقدة، فأنت لا تفهم الشركة. تذكر: كن دقيقاً بما يكفي لتكون مفيداً، ولكن لا تحاول أن تكون دقيقاً لدرجة تخدع بها نفسك.”

