لن أطيل الحديث عن ماهية كتاب أصل الأنواع، فهو كتاب غني التعريف، فعندما تم نشره لأول مرة عام ١٨٥٩م، أحدث ثورة غير مسبوقة في علم الأحياء ككل، وتصاعدت الآراء الداعمة والناقدة على حد سواء، ولست بحاجة لأن أُطلعكم على الحجم الهائل من الانتقادات التي تعرض لها الكتاب، فقد كان بمثابة صاعقة صادمة لمعظم المبادئ الدينية والاجتماعية التي كانت متأصلة في المجتمعات الغربية في القرن التاسع عشر، حيث كان كل من رجال الدين والعلماء المتدينون يهاجمون أفكاره بضراوة، وبإيمان لا ينضب في نظرية الخلق المستقل — والتي لم تكن نظرية آنذاك بل حقيقة لا يمكن التشكيك فيها —. استغرقت المجتمعات الغربية قرنين من الزمان ليتقبلوا حقيقة أفكار العالم تشارلز داروين. في القرن الحالي، وبعد عدد لا بأس به من الاكتشافات الحفرية الذي عقب وفاة داروين، أصبحت نظرية التطور أحد الركائز الأساسية لعلم الأحياء فيما يسمى ب “علم الأحياء التطوري”(Evolutionary Biology)، وهو علم يتناول موضوعات متعددة تسعى للتوصل إلى التطورات التي نتج عنها التنوع الحيوي لكل الكائنات الحية على سطح الأرض، وبعبارة أخرى يدرس أصل الوجود على سطح .الأرض
تعرضت نظرية التطور للعديد من التعديلات والاستغلال خصوصاً في أواخر القرن التاسع عشر، حيث اصطبغت في العديد من المرات بصبغات اجتماعية وسياسية لا تعبر عن أفكار داروين أو ترتبط بأي صحة علمية. أهم صور هذا الاستغلال تعبر عنها عبارة “البقاء للأقوى” (Survival of the fittest)، جملة شهيرة أفترض أن القارئ قد سمع بها من قبل. تم ربطها بطريقة ما لأفكار داروين عن النظرية، مع أن العالم هربرت سبنسر هو من صاغها في كتبه من البداية. لقد رسخت في خيال الناس بأن الكائنات التي تبقى في الطبيعة هي الأكثر قوة جسمانياً، والأكثر فتكاً وعنفاً. من الغريب أن بعض الناس صدقوا هذا الكلام لأنه وفقاً لهذه العبارة، فمن المفترض أن كل الفرائس منقرضة لأنها أقل قوة وقدرة من المفترسات، ولكن داروين اعتمد على فكرة محرفة منها “البقاء للأكثر تكيفاً”، هناك فرق شاسع بين الجملتين، حيث أنه طوال فصول الكتاب، شرح أن الكائن الحي بغض النظر عن كونه فريسة أو مفترس، سينجو وفقاً لمدى قدرته على التأقلم والبقاء في البيئة التي يعيش فيها، حيث أنه يمكن أن تبقى فريسة وينقرض المفترس، أي يحدث العكس، لأن المفترس لم يستطع التكيف أو التناسل بما يكفي، وهو ما سأقوم بشرحه بقدر من التفصيل لاحقاً.
“الداروينية الاجتماعية” (Social Darwinism) أحد الأفكار المضللة التي أُضيفت إلى نظرية التطور، حيث حدثت محاولات عديدة لإلزام قوانين الطبيعة على التعاملات البشرية والحس الأخلاقي. أبرز المدافعين عنها المفكر والعالم هربرت سبنسر (الذي تم ذكره أعلاه). تشجع النظرية على فكرة “تحسين النسل” (Eugenics)، كتطبيق ممارسات مثل الامتناع عن معالجة المرضى المصابين بأمراض وراثية، إهمال أزمات الفقراء أو المرضى في المجتمع، أي تطبيق قوانين الطبيعة بين الحيوانات على البشر، التخلص من “الضعيف” “غير المفيد”؛ تقليماً للجذور الفاسدة من الجنس البشري والحصول على أجيال أكثر صحة وقوة.
استفادت الطبقات العليا والنبيلة من المجتمع في القرن التاسع عشر من هذه الفكرة، باعتبارهم هم النسل المحسن الذي ينبغي له أن يتكاثر. تم استغلالها أيضاً من قبل العديد من مجرمي الحرب في الحربين العالمية الأولى والثانية، فكانت تبريراً للإبادات الجماعية، وقتل أعداد لا تحصى من المعارضين السياسيين والمعاقين باعتبارهم “أقل من البشر”.
في أواخر المرحلة الإعدادية، عكفت على قراءة الكتاب وأعدت قراءته حوالي ثلاث مرات، لذلك سأقوم بتقديم سلسلة من المقالات، وشرح وتلخيص وافي لمعظم فصول الكتاب، وبالرغم من كونه كتاباً قديماً وأفكاره غير متطورة بقدر الكتب الأحدث في هذه المسألة، إلا أنني أجد في معرفة الأفكار الأولى بشأن فرع مثير للاهتمام في علم الأحياء (قبل انتشار قوانين الوراثة الحديثة على يد العالم جريجور مندل) هو أمر لا بد منه لفهم أكثر عمقاً للأفكار المتطورة خلال القرنين الذين تلا نشر الكتاب، مع مراعاة جدية في الإشارة للمسائل المغلوطة وتصحيحها بواسطة المصادر العلمية الحديثة، وإعطاء تنويه لمدى صحتها.
ملحوظة: في كل فصل عادة ما سأكتب فقرة للأفكار الرئيسة ولن اتطرق فيها إلى أي شرح، وربما تكون مبهمة للقارئ الذي لا يملك خلفية عن النظرية أو الكتاب فيفضل في هذه الحالة الانتقال للشرح الأكثر تفصيلاً.
الفِكَر الرئيسية
هذا الفصل يتمحور بشكل أساسي حول الحيوانات والنباتات التي قام الإنسان باستئناسها، ويظهر مدى فاعلية الدور البشري في تغيير بنية تلك الكائنات عبر عشرات الأجيال. يشير للأسباب الرئيسية التي أدت إلى اختلاف الأفراد في السلالات المدجنة بدرجة أكبر مقارنة بتلك السلالات في البيئة الطبيعية. الاختلافات في الحيوانات المدجنة ترجع بشكل رئيسي إلى الظروف المتغيرة التي يتعرض لها كل حيوان مع مربّيه؛ فتربية الإنسان للحيوان هي عملية تختلف كلياً عن وجود نفس الحيوان في الطبيعة. الظروف في الطبيعة بالنسبة للأفراد شبه ثابتة. التغيرات تكون طفيفة وعلى مدى زمني شاسع مقارنة بحالة كل مربي على حدة، من حيث وفرة الغذاء ونسبة التعرض للخطر أو حتى المنافسة أثناء مواسم التزاوج. نرى تغييرات جسدية مذهلة على الحيوانات التي تم تدجينها لفترات طويلة من الزمن. في هذا المقال، سنتعرف على بعض النقاط التي أشار إليها العالم داروين الخاصة بأصل الحيوانات المستأنسة.
تأثير العادة (إهمال واستعمال الأعضاء) و التباين المترابط (قوانين الوراثة الغامضة)
كما ذكرت آنفاً، فإن السمات الجسدية للحيوانات تحت التدجين تختلف عن نفس الحيوانات في الطبيعة بدرجة كبيرة؛ لأن العوامل الرئيسية في تحديد هذه السمات تكون متغيرة في الحالتين. لتوضيح ذلك، عرض داروين مثالاً على هذه النقطة هو البطة البرية واختلافاتها الجسمانية عن البطة المنزلية، فالبطة البرية تمتلك أجنحة قوية وسيقاناً رشيقة، بينما البطة المنزلية أجنحتها هشة وسيقانها ممتلئة القوام. الجزء السفلي من جسمها أكبر وزناً؛ وذلك لوفرة الطعام وعدم حاجتها لاستعمال أجنحتها وساقيها باستمرار للهرب من المفترسين.
من الجدير بالذكر أن هذه السمات تحدث كتأثير من البيئة على أعضاء الفرد مباشرة، ولا يمكن توريثها؛ لأنها لا تؤثر على الجينات (التي تقوم بنقل الصفات الوراثية بشكل أساسي من الآباء إلى لأبناء) بشكل مباشر، وذلك مُثبت بالاكتشافات التي توصل إليها علم الوراثة الحديث لاحقاُ. بينما كان هناك اعتقاد يشوبه الشك من جانب داروين أن “الصفات المكتسبة” (Acquired Characteristics) يمكن أن تنتقل من جيل لأخر، وهي نظرية قدمها العالم لامارك في الأساس.
ذكر داروين بعض الطفرات التي كان يلاحظها في أفراد الحيوانات المختلفة، وهي عبارة عن حالات تظهر على الحيوان كصفتين متلازمتين تأتيان دائماً معاً. سأذكر باختصار بعض الحيوانات التي كتب عنها داروين: مثل صفة اللون الأزرق لعيون القطط مترافقة مع إصابتها بالعمى، والصلع في الكلاب التي لا تمتلك أسناناً كاملة. بالطبع كان تفسير هذه الظواهر غامض تماماً في القرن التاسع عشر. تعود هذه الظواهر كنتيجة لتأثير الجينات فيما يسمى “الارتباط الجيني”(Genetic Linkage)، وهو موضوع معقد وشيق قد نتطرق إليه في مقالة أخرى لاحقاً.
الانتقاء الصناعي (Artificial Selection)
كانت مهنة تربية كلاب الحراسة شائعة في القرن التاسع عشر. كانوا يكسبون عيشهم من بيعها لمُلّاك الأراضي الزراعية، وفي ظل المنافسة مع مربيين آخرين، كان المربيين حريصين على اختيار الكلاب الأكثر سرعة وعدوانية ووفاء من الأقفاص؛ ليقوموا ببيعها. بحكم أنها ستكون أكثر فاعلية في حماية الممتلكات. كما كانوا يحرصون على تكاثرها أكثر من أي كلب آخر في الحظيرة؛ ليحصلوا على المزيد من تلك الصفات في الأبناء، ويقومون بنفس العملية مع أبناء أبنائهم وهكذا دواليك؛ للحصول على أفضل كلاب للحراسة. رغم أن هذا التصرف قد يبدو عادياً وبريئاً، إلا أنه مع الظروف المناسبة والفترة الزمنية الكافية، قد يكون ذلك المربي قد قام عن غير قصد بتكوين سلالة جديدة تحوي كلاباُ ذات صفة متخصصة. هذا المثال يشير بدقة إلى مصطلح الانتقاء الصناعي.
الانتقاء الصناعي هو عملية واعية أو غير واعية يقوم بها الانسان أثناء تربيته لحيوان معين أو زراعة نبات، حيث يقوم بانتقاء صفات معينة و اختلافات طفيفة في كل جيل من أفراد السلالة لأهداف شخصية، فتتراكم مع مرور الزمن وتؤدي إلى تكوين سلالة جديدة تبرز بها الصفات المعنية، وهنا أقصد ب “واعٍ” و”غير واعٍ” الإنسان، ففي معظم الحالات، وخاصة في القرون الماضية (قبل معرفة قوانين الوراثة الأساسية في شكلها الحالي كما في المثال المذكور أعلاه)، قام الإنسان بتكوين سلالات جديدة ليس كهدف مقصود، بل كنتيجة عابرة لرغبة إنسانية هي اقتناء أفراد من الحيوانات تمتلك صفات جسدية وسلوكية معينة بدرجة أكبر من غيرها.
كان الاختيار قائماً على أسباب اقتصادية: حجم الكائن نفسه (مثل زراعة بذور الفواكه والخضروات كبيرة الحجم)، وسرعة عملية البلوغ في الماشية لتسريع موعد ذبحها، والسرعة كما في الأحصنة والكلاب، بل وحتى لأسباب جمالية. من الصعب تصديق أن الزهور التي نراها اليوم كانت جميعها بنفس المظهر لقرون. لقد تحولت إلى لوحة جميلة من منظور إنساني بحت لمعاني الجمال، ورائحة عطرة، وألوان جميلة، لا يمكن إلا أن يكون تدخلاً ليد بشرية تتذوق الفن.
نلاحظ أن الأمثلة السابقة توضح أن التغييرات التي طرأت على الحيوانات تصب في صالح الإنسان، وليس في بقاء الحيوان أو نوعه بالضرورة. هذه أحد الاختلافات الجوهرية بين الانتقاء الصناعي و”الانتقاء الطبيعي” (Natural Selection)، والتي سيتم شرحها بمزيد من التفصيل عند التطرق إلى الفصل الرابع من الكتاب.
العوامل المساعدة في الانتقاء الصناعي
أعداد الأفراد
لا يتم تكوين سلالات جديدة إلا عند وجود اختلافات. هي فروقات طفيفة يلاحظها المربي بين قطيعه، فينتقيها، ويشجع الحيوانات الحاملة لتلك الصفات على التناسل، وعند إنتاج تلك الحيوانات ذرية جديدة، يتم اختيار الفرد الذي يحمل الصفة بشكل أكثر بروزاً من والده. قد تبدو المهمة سهلة التنفيذ نظرياً، ولكن في الخطوات التي ذكرتها يكمن الكثير من المصاعب التي تحول بين الحصول على السلالة المطلوبة؛ فنسبة ظهور صفات مميزة أو أكثر تطرفاً في فرد من أفراد القطيع هي نسبة ضئيلة للغاية، لذلك يستلزم وجود عدد كبير جدا من أفراد النوع المعني لتكون هناك فرصة لظهور طفرات في المقام الأول، وبناءً عليه نلاحظ أن الحيوانات التي مع المربيين الفقراء لا تتغير تقريباً مقارنة بها مع المربيين الأثرياء الذين يمتلكون أعداد أكبر من الأفراد.
ملاحظة الاختلافات الطفيفة
من خلال تعبيراتي الكتابية، ربما تظنون أن تلك الاختلافات التي يتم انتقاؤها تشبه الطفرات، أو أنها واضحة جدا للعين المجردة، ولكن على العكس، فتلك الاختلافات تكون صغيرة جداً في معظم الأحيان، وربما إذا نظرت الى فردين لنفس النوع لن تلاحظها، وربما تبدو العملية غير منطقية لغير المتخصصين، فتلك الفروقات المميزة لا تلاحظها إلا عين الخبير، أفنى عمره في دراسة أحد أنواع النبات أو الحيوان.
العزل التناسلي (Reproductive Isolation)
التعرض للعزلة التناسلية هو شرط أساسي لنشوء أنواع جديد من الحيوانات. العزلة هنا يُقصد بها عدم قدرة سلالة على التزاوج مع مجموعة أو سلالة أخرى أو إنجاب حيوانات تتفاوت خصوبتها من خصوبة ضئيلة حتى تصل الى العقم في بعض الحالات، ويكون بعضها الآخر ضعيفاً، فتموت أحياناً بعد الولادة. تحدث هذه الحالات لأسباب عدة، العزلة التناسلية تنشأ كعازل يمنع اختلاط جينات الجماعات المختلفة ببعضها وتحافظ على تراكم الفروق في السلالة المعنية تدريجياً، وأنه من الضروري تزاوج فردين متشابهين للحفاظ على الصفات الجديدة. كان للعالم تشارلز داروين أفكار مبدئية عن الموضوع، لكنه لم يستطع تفسيره بدقة كافية؛ نظراً لعدم اكتشاف “الوراثة الجزيئية” (Molecular Genetics) في زمنه، على الرغم من ارتباط الموضوع بالانتقاء الطبيعي بشكل أساسي، سأقوم بشرح مختصر لبعض أسباب العزلة التناسلية لأنني لن أتطرق إلي الموضوع أثناء تفنيدي للفصل الرابع.
للعزل التناسلي أسباب عديدة، مثل: “الانتواع المتواطن أو الانتواع في نفس الموطن” (Sympatric speciation)، وجود جماعتين في نفس المنطقة الجغرافية، ولكن يستخدم كل جماعة موردًا بيئيًا مختلفًا (مثل نوع مختلف من الغذاء)، مما يعرّض كل جماعة لضغوط انتقائية مختلفة، فيؤدي إلى تراكم اختلافات جينية تنتهي بعزل تناسلي.
العامل الثاني هو: “الانتواع الجغرافي” (Allopatric Speciation). ينشأ نتيجة وجود جماعتين في ضغوط بيئية مختلفة. يتم انتقاء صفات مفيدة مختلفة في كل جماعة، مما يؤدي إلى فشل عملية التزاوج أيضاً، فمثلاً، كمية الغذاء وحجمه قد يؤثر على الطائر في بيئتين مختلفتين. الحبوب الصغيرة في بيئة تستلزم طائر ذا منقار صغير الحجم والعكس صحيح. بينما قد تكون آلية الانتواع المتواطن في العمل بطيئة، فإن الانتواع الجغرافي يعتمد على اختلاف البيئات، وهو عامل جغرافي يمنع اختلاط الجماعتين الحيويتين، مما يسهل من تراكم الصفات التي تميز كل منهما بوتيرة أسرع.
الحمام (أصل سلالات الحمام المستأنسة)
خصص العالم داروين جزءً لا بأس به من الفصل الأول لشرح تجربته في تربية الحمام، وعن نتائج أبحاثه عن أصل سلالات الحمام، وهو موضوع تم تناوله بإسهاب من جانبه، فذكر بدقة حجم ولون وعدد الريش، وطول السيقان والمنقار في كل نوع قام بتربيته. كان الكثير من العلماء الطبيعيين يؤيدون بقوة امكانية تكوين سلالات جديدة عن طريق التهجين، لكن داروين وجد في تقدير هذه الآلية مبالغة شديدة. جميع الحمام المستأنس الآن يعود إلى السلف المشترك وهو حمام “كولومبا ليفياا” أو ما يسمى “الحمام الصخري” (Rock Pigeon – Columba livia)، وقد تم إثبات ذلك علمياً — بواسطة علم الوراثة والسلوك والشكل العظمي — فيما بعد.
حجج داروين لإثبات انتماء سلالات الحمام المستأنس لأصل واحد (الحمام الصخري)
الأنواع المفترضة غير موجودة في الطبيعة
نظراً للاختلافات الخارجية البارزة بين كل نوع من الحمام المستأنس، زعم العديد من العلماء أن كل سلالة حمام هي نوع مميز و منفصل بذاته، ينتمي لأصل مختلف يحمل صفاته، ولكن هذا التفسير كان ضعيفاً؛ لأنه وفقاُ لهذه النظرية، فإنه من المفترض أن يتواجد سبع إلى عشرة أصول برية، ولم يتم رصد أنواع برية تحمل صفات لكل سلالة مدجنة في الطبيعة.
قابلية التناسل
بالطبع، كان هذا أحد أهم العوامل الذي يعطي إجابة قاطعة لأصل سلالات الحمام. من السهل جداً أن تتكاثر سلالات الحمام فيما بينهم، حتى بين أكثر سلالات الحمام تطرفاً وتميزاً عن بعضها، ومن شبه المستحيل أن تنتج أنواع متمايزة عن بعضها البعض أبناء بهذا القدر من الخصوبة. لا يمكن افتراض أن هذا العدد من الأنواع تم تدجينه باحترافية، سيكون الافتراض متهوراً بقدر كبير؛ نظراً لأن الفترة الزمنية التي قد يكون حدث بها هذا القدر من التغيير بعيدة جداً. هذا النوع من التدجين غاية الصعوبة حتى في الفترة الزمنية الحالية، ناهيك عن الإنسان القديم الذي لم يكن عالماً تقريبا بشأن قوانين استئناس الحيوان.
الارتداد لصفات السلف المشترك
عندما تتزاوج سلالتين من الحمام، أحياناً توجد صفات في النسل الهجين ليست في الأبوين أو في كلتا السلالتين ولكن هذه الصفة توجد بشكل أساسي في نوع الحمام الصخري، تعرف هذه الحالة “بالارتداد للصفات السلفية” (Atavism)، وهي صفات متشابهة تظهر فجأة على أعداد من سلالات مختلفة شكلياً كان يحملها السلف المشترك لتلك السلالات، وهي تدل على العلاقة غير الظاهرية بين هذه السلالات، وهي أحد الأدلة الاخرى التي تثبت أن أصل سلالات الحمام المستأنس هو الحمام الصخري بالفعل.
References:
Darwin, C. (1859). On the origin of species. John Murray.
Hsu, S.-K., Lai, W.-Y., Novak, J., Lehner, F., Marija, A., Versace, E., & Schlötterer, C. (2024). Reproductive isolation arises during laboratory adaptation to a novel hot environment. Genome Biology.
Sherman, W.P., Seeley, D.T., Augustyn, A., Livingston, R., Lotha, G., Matthias, M., Rafferty, P.J., Rodriguez, E & Sampaolo, M. (n.d.). Artificial selection. In Encyclopaedia Britannica. (Vol. 25, Article 141).

