الخوف من “معرفة كل شيء”: القاتل الصامت لثقافة الشركات النامية
العنوان الفرعي: لماذا يُعد القادة الذين يعتقدون أنهم “فهموا اللعبة” أكبر خطر على مستقبل شركاتهم
الوصف التعريفي (Meta Description):
الخوف من معرفة كل شيء يبدو كأنه ثقة، لكنه في الحقيقة يقتل الثقافة، ويجمّد التعلم، ويضعف الابتكار. رؤية قيادية حول أثر الغرور الفكري على نمو المؤسسات.
هناك لحظة خطيرة تمرّ بها كل شركة في رحلة نموها.
لا تحدث أثناء الأزمات.
ولا عندما تتراجع الإيرادات.
ولا حتى عندما يهاجمك المنافسون.
بل تظهر عندما يقنعك النجاح بأنك فهمت كل شيء.
أسميها: الخوف من معرفة كل شيء.
ورأيت هذا الخطر يُضعف شركات أسرع من تقلبات السوق، وأخطر من تغيّر المنصات، بل وأعمق أثراً من موجة الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل صناعات كاملة اليوم.
وهم الإتقان
عندما تبني شركة من الصفر، تتكوّن لديك حدس قوي.
تتخذ قرارات صعبة.
تنجو.
تفوز.
وتكبر.
ثم يحدث شيء غير ملحوظ.
يتحوّل الحدس من فرضية قابلة للنقاش إلى قناعة لا تُمس.
وهنا تبدأ المشكلة.
في الإعلام الرقمي — خصوصاً في منطقتنا — نصف عمر المعرفة قصير جداً. ما كان ينجح في جذب الجمهور قبل خمس سنوات لم يعد فعالاً اليوم. ما كان يحقق عوائد عالية قبل عامين تآكل تحت ضغط صناع المحتوى والمنصات السريعة والذكاء الاصطناعي.
أكبر خطر على أي مؤسسة ليس الجهل.
بل اليقين.
لحظة حقيقية من تجربتنا في 7awi
في إحدى مراحل نمو 7awi، كنا فخورين بالأرقام.
زيارات قوية.
علامات تحريرية مؤثرة.
جوائز.
نمو مستمر في الإيرادات.
على الورق، كل شيء كان يبدو ممتازاً.
لكنني بدأت أسمع داخلياً جملة تتكرر:
“هكذا يعمل النشر.”
“هذا هو النموذج.”
“هذا ما تريده العلامات التجارية.”
بدت الجمل منطقية… وخبيرة… ومطمئنة.
لكن السوق كان يتغير.
المنصات تضيق الخوارزميات.
المؤثرون يحصلون على الميزانيات مباشرة.
سلوك الجمهور يتحول بسرعة.
لو صدقنا أننا “نعرف” صناعة النشر، لكنا دافعنا عن النموذج القديم.
بدلاً من ذلك، قررنا أن نشكّك فيه.
انتقلنا من كوننا ناشراً فقط إلى منصة حلول B2B متكاملة.
استثمرنا في التكنولوجيا.
بنينا نظام إدارة محتوى خاص بنا.
ركزنا على تقسيم الجمهور بدلاً من مجرد الأرقام.
وسعنا حضورنا في الفعاليات.
أطلقنا مبادرات مجتمعية مثل Dunia Helwa لإضافة بُعد إنساني حقيقي.
ودمجنا الذكاء الاصطناعي داخل عملياتنا بدلاً من الاكتفاء بالحديث عنه.
هذا التحول لم يأتِ من يقين.
بل من عدم ارتياح.
وعدم الارتياح أنقذنا.
الغرور: الحاجز غير المرئي
الخوف من معرفة كل شيء ليس غروراً صاخباً.
بل هو غرور هادئ.
يظهر في عبارات مثل:
-
“جرّبنا ذلك سابقاً.”
-
“ثق بي، أعرف هذا السوق.”
-
“هكذا تعمل الأمور.”
-
“لا داعي لتعقيدها.”
الغرور يُنهي النقاش قبل أن يبدأ.
وكلما ارتفعت في القيادة، أصبح غرورك أكثر خطورة — لأن الناس يترددون في تحديك.
تعلمت أن كلما كبرت مسؤوليتك، قلّ صدق التغذية الراجعة التي تصلك.
الناس تميل إلى الموافقة.
تهزّ رؤوسها.
وتتجنب المواجهة.
الانسجام قد يبدو صحة.
لكنه أحياناً يكون خوفاً.
كيف يقتل “معرفة كل شيء” الثقافة؟
هذا النهج لا يؤثر فقط على الاستراتيجية، بل يضرب كل جوانب المؤسسة.
1. يتباطأ التعلم من القمة
إذا توقف القادة عن التعلم، تتوقف المؤسسة عن الفضول.
2. يتحول التوظيف إلى دفاع
بدلاً من توظيف أشخاص أذكى منك، توظف من يوافقك الرأي.
وهنا يبدأ التراجع.
3. يصبح الابتكار شكلياً
تتحدث عن التحول.
تحضر مؤتمرات.
تنشر عن الذكاء الاصطناعي.
لكن داخلياً لا يتغير شيء حقيقي.
4. تختفي الصراحة
لا أحد يريد تحدي من “يعرف كل شيء”.
5. يغادر المتميزون بصمت
الموهوبون يبحثون عن بيئة تتحدى تفكيرهم.
عندما يشعرون بالاختناق، يرحلون بهدوء.
الثقافة لا تنهار فجأة.
بل تختنق تدريجياً.
فخ الذكاء الاصطناعي
نعيش اليوم واحدة من أعنف التحولات التقنية في العقود الأخيرة.
الذكاء الاصطناعي لا يضيف أدوات فقط، بل يعيد تشكيل الاقتصاد الإنتاجي بالكامل.
الخطر ليس في مقاومة الذكاء الاصطناعي.
بل في الادعاء بأنك فهمته بالكامل.
رأيت قادة يحضرون ورشة عمل واحدة، ثم يعلنون أنهم أصبحوا أصحاب استراتيجية AI.
هذا ليس تحولاً.
هذا راحة نفسية مغلفة بشعار.
في 7awi، اخترنا أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كرحلة تعلم مستمرة.
اختبرنا.
أخطأنا.
حسّنا.
ناقشنا أخلاقياته داخلياً.
وأدخلناه في أنظمتنا بدلاً من الاكتفاء بالترويج له.
ولا نزال لا ندّعي أننا “نعرفه بالكامل”.
نحن طلابه.
وهذه العقلية تصنع السرعة.
التواضع الفكري ميزة تنافسية
الثقة مطلوبة في القيادة.
لكن الثقة بلا فضول تتحول إلى هشاشة.
التواضع الفكري يعني:
-
أن تقول “لا أعرف” أمام فريقك.
-
أن تسمح لموظف شاب أن يعارضك.
-
أن تستقبل آراء تهز قناعاتك.
-
أن تعيد تقييم استراتيجيتك قبل أن يجبرك السوق على ذلك.
هناك مبدأ أحرص على حمايته داخل الشركة:
نحن دائماً في مرحلة مبكرة.
حتى بعد سنوات من النمو.
حتى بعد الإنجازات.
حتى بعد الاعتراف بالسوق.
اليوم الذي نعتقد فيه أننا وصلنا… هو اليوم الذي نبدأ فيه بالتراجع.
المخاطرة الحقيقية: الركود الذهني
أخطر قائد ليس من يفتقر إلى المعرفة.
بل من يعتقد أن معرفته مكتملة.
السوق يتغير.
المواهب تتغير.
التكنولوجيا تتغير.
إذا تجمد تفكيرك، ستتجمد مؤسستك.
الخوف من معرفة كل شيء يبدو ثقة.
لكنه في الحقيقة ركود ذهني.
والركود مكلف.
ابقَ غير مرتاح.
ابقَ فضولياً.
ابقَ طالباً.
لأن اللحظة التي تعتقد فيها أنك تعرف كل شيء…
هي اللحظة التي يبدأ فيها منافسوك بالاقتراب منك بهدوء.

