كيف أصبح القضاء ساحة المواجهة الجديدة بين المواطنين والحكومات وشركات الطاقة؟
في ظلّ التسارع في تَضَخُّم آثار تَغيُّر المَناخ مِن مَوجات حَرٍّ غَيرَ مَسبوقَة إلى فَيضانات مُدمّرة وحَرائِق غَابات مُتَكرّرة، لَم تَعد المُواجهة مَحصورة فِي مُؤتَمَرات القُمم والاجتماعات الدُّولية أو البَيَانات السِّياسية. اليَوم، تُخاض مَعركة المناخ في قَاعات المحاكم، حَيث يَرفع أفراد ومُنَظَّمات دَعاوى قَانونية ضِدَّ حُكُومات وشَرِكات، مُطالِبين بُمُحاسَبتها على تَقَاعُسها أو مَسؤُوليّتها المُبَاشرة عَن تَفاقُم الأزمة.
ووفق تقاريرٍ صَادرة عن United Nations Environment Program، تَجَاوَز عَدد قَضايا التَّقاضي المَناخي عَالمياً 2200 قَضيَّة مُوَزّعة على أَكثر مِن 65 دَولة، مَا يَعكِس تَحوّلاً جَذرياً في استِخدام القَانون كَأداة للضَّغط والتَّغيير.
المسار جديد للاحتجاج
حتَّى سَنَوات قَليلة مَضَت، كان النِّضال المناخي يَتمُّ عَبر المُظاهرات وحَمَلات الضَّغط الإعلامي على الحكومات والجهات الصنّاعية الكُبرى. غَير أنَّ مَحدُوديّة تَأثير هَذه الأَدَوات دَفعت النُّشَطَاء إلى البَحث عَن مَسار أكثر إلزامًاً كالقضاء.
إنَّ نُقطَة التَّحوّل جَاءَت عَام 2015، حِين ألزَمت مَحكمة هُولنديّة الحُكومة بِتَشديد سِياساتها المَناخية في قضية أصبَحَت لاحِقاً مَرجِعاً عالمياً. ومُنذُ ذَلك الحين، بَدأ مَفهوم «المَسؤولية المَناخية» عنواناً لجدلٍ قَانونيٍّ مُعَقَّد وأصبح هذا المفهوم يَتَرسَّخ دَاخل الأنظِمة القَضائيّة.
وكَما هُوَ مَلحوظ فَإنَّ الجَدَل المناخي لَم يَعد قائِماً على الخِطاب الأَخلاقي فَقَط، بَل بَات مَدعوماً بِبَيانات عِلميّة دَقيقة. تَعتَمِد المَحَاكم اليَوم بِشَكل مُتَزَايد عَلى تَقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ “ IPCC“، التي توثّق العلاقة المباشرة بين النشاط البشري في القطاعات الصناعية وقطاعات الطاقة وغيرها من جهة وارتفاع درجات الحرارة والكوارث البيئية من جهة أخرى.
هَذه التَّقارير تَحَوّلت إلى «شَهادات خُبراء مُختَصّين» دَاخِل المَحاكم، تَمنح القُضاة أساساً علميّاً قَويّاً لإصدار أحكَامٍ مُلزِمة.
ويرتكز جزء كبير من السجال والتقاضي المناخي على مُحَاسَبة الحُكُومَات بِسَبب فَشَلها في تَنفيذ التِزَاماتِها الدُّولية أو الوَطنية.
ففي باكِستَان على سبيل المِثال، نَجَح مُزَارع في إجبار الدَّولة عَلى الاعتراف بِتقصيرها بواجبها في مجال حماية البيئة، بَعدما قَضَت المَحكمة بِإنشاء لجنة لمُتَابعة تَنفيذ السّياسات المَناخية. وقَد اعتُبرت هذه القَضية نَموذجاً لِكَيفية استِخدام القَضاء فِي الدُّول النَّامية لِمواجهة الإهمال البيئي. وفي أوروبا، ترسّخ هذا الاتجاه عبر ربط حماية المناخ بحقوق الإنسان الأساسية.
الشركات الكبرى تحت المجهر
لَم تَعُد شَرِكَات النَّفط وَالغَاز بَعيدة عَن المُسَاءلة. ففي عام 2021، ألزمت محكمة هولندية شركة Royal Dutch Shell بخفض انبعاثاتها بنسبة 45% بحلول عام 2030.
حيث قاد الدعوى ضد هذه الشركة تحالف مدني بقيادة منظمة Milieudefensie، التي اعتبرت أن سياسات الشركة تُمَثِّل تَهديداً مُباشراً للمُجتَمع والبِيئة. وهذا الحكم فَتح البَاب أمام مَوجة دَعاوى مُشابهة ضِدَّ شَرِكات الطَّاقة حَول العالم.
وأحد أبرز تطورات التقاضي المناخي هو دمج حقوق الإنسان في صلب القضايا البيئية. ففي عام 2023، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حُكماً لِصَالح مَجموعة من النِّساء المُسنّات في سويسرا، معتبِرة أنَّ فَشل الدّولة في حمايتهن من مَوجَات الحرِّ يُشَكّل انتهاكاً لحقوقهنَّ الأساسيّة. وهذا القرار رسّخ مبدأ مَفَاده أنَّ تغيُّر المناخ قد أصبح قضية كرامة إنسانية ولم يعد مسألة بيئية فقط.
والسابقة الأولى في هذا السّياق كانت قضية أورجيندا التي أيدتها المحكمة العليا في هولندا عام 2019. حيث ألزمت المحكمة الحكومة الهولندية بتخفيض الانبعاثات بنسبة لا تَقُلّ عَن 25% مُقَارَنة بِعام 1990، مُؤكّدة أنّ حِماية المُواطِنين مِن مَخَاطر المَناخ واجب قانوني. وأصبَحَت هَذه السَّابقة مَرجِعاً قَانونياً يُستَنَد إليه في عشرات القَضايا المُشابهة حول العالم.
وفي الولايات المتحدة، شكّلت الدَّعاوى التي رُفِعَت ضِدَّ مَشروع خَطِّ أنابيب «كيستون إكس إل» مِثالاً عَلى قِدرة القَضاء عَلى تَعطيل مَشاريعٍ بِمليارات الدُّولارات لإنَّها تتعارض مع القوانين البيئية وتُخَالِفها.
وبَعد سَنَوات مِنَ المُنَازَعات القَضَائيّة تَقدَّمَت فِيها العَديد مِنَ الدّعاوى والطُّعون، أُوقِفَ المَشروع نهائيّاً بِسَبَب قُصُور تَقييماتِه البِيئية، الأمر الّذي جَعَل هَذا القَرَار انتصاراً تاريخيّاً للحركة المناخية.
وفي السّياق نفسه فإن استقلالية القضاء، تراكم الأدلة العلمية، توظيف خطاب حقوق الإنسان ووجود سوابق قانونية دولية. هي عوامل رئيسية لنجاح القضايا المتعلقة بالمناخ وهي التي حولت الجهاز القضائي إلى لاعب رئيسي في رسم السياسات المناخية وفق رؤية خبراء القانون البيئي.
ورغم النجاحات، فلا تزال هناك العديد من العقبات القائمة في طريق تقدم هذا المسار، وأبرزها صعوبة إثبات العلاقة المباشرة بين الانبعاثات والضرر، والنفوذ الاقتصادي والسياسي للشركات الكبرى، وبطء الإجراءات القضائية، تفاوت القوانين بين الدول. إلّا أنَّ هذه التحدّيات لَم تَستَطيع أَن تُوقِفَ الزَّخم، بَل دَفعت النشطاء في هذا المجال إلى تطوير أدوات قانونية أكثر دقة وأكثر جدوى.
إنَّ الّلجوء إلى المَحَاكِم فِي قَضايا المَناخ أصبح الوسيلة الأهم للدفاع عن كركب الأرض ومستقبل البشرية عليه ولم يعد أمراً.
ففي ظل التراخي الحكومي في اتخاذ القرارات الحامية للمناخ والمحافظة على البيئة، أصبحت المحاكم المكان الذي يمكن فيه تحويل شهادات العلم إلى أدلة قانونية، وحقوق الناس إلى نصوص قانونية تُطبَّق فعليّاً.
ومع ازدياد خطورة التغيّر المناخي، يبدو أنَّ جِزءاً كَبيراً مِنَ المَعركة لِحماية كوكبنا سيُحسم داخل قاعات القضاء وسترسم القوانين الحدود لكل تجاوز قد يمسُّ بالاستقرار البِيئي ويُعَرِّضَه لِلخَطر.

