من مدينة الدار البيضاء في رحلة طويلة عبر الأجواء العابرة للمحيط نحو ريو دي جانيرو، المدينة التي تختزل في ذاكرتي صور كوباكابانا وإيبانيما، وجبل سكر اللوف، وتمثال كوركوفادو، والكرنفال، والشواطئ، وكرة القدم، والسامبا… كلّها مشاهد صنعت من هذه المدينة أسطورةً حيّة، تُغري العالم رغم تناقضاتها. ولم تكن «المدينة الرائعة» قد نالت هذا الاسم عبثًا؛ فقد وجدتها فعلًا مدينةً فاتنة الجمال. لكن كنزها الحقيقي لم يكن في معالمها، بل في سكانها: الكاريوكاس، أولئك الناس المتدفّقين حيويةً ودفئًا، في هذه الحاضرة التي لا تشبه سواها.
مشاهدة المدينة من جبل شوغرلوف وكوركوفادو
تأملتُ مدينة ريو دي جانيرو من اثنين من أشهر معالمها التي لا يمكن تفويتها. من الأعلى، تكشّفت أمامي “المدينة الرائعة” بكل بهائها، خاصة من خلال موقعها الطبيعي الفريد: خليج غوانابارا، بمياهه التي ليست دائمًا نقية، وخُلجانه المتعددة، وشواطئه الممتدة عند سفوح التلال المغطاة بالنباتات الاستوائية. وبين البحر والجبل، بين زرقة الماء وخضرة الغابات، تنبسط أحياء المدينة المختلفة؛ أحياء راقية في الجنوب، وأخرى شعبية في الشمال، حيث تنتشر على بعض التلال أحياء الصفيح المعروفة بالفافيلا، التي يعيش فيها نحو 20% من السكان.
ومن أعلى تمثال كريستو ريدينتور، ذلك التمثال العملاق الذي يبلغ ارتفاعه 30 مترًا ويعلو المدينة على ارتفاع 704 أمتار، استمتعتُ بإطلالة بانورامية بزاوية 360 درجة، كانت أشبه بمشهد لا يُنسى. وعلى الجانب الآخر، من جبل شوغرلوف، وعلى ارتفاع 396 مترًا، شاهدتُ المدينة من منظور مختلف: التمثال الشهير، أبراج وسط المدينة، وشواطئ الجنوب الممتدة من فلامنغو إلى إيبانيما.
الاستمتاع بأسلوب الحياة في إيبانيما وكوباكابانا
عشتُ تجربة أخرى لا تقل سحرًا في أحياء كوباكابانا وإيبانيما، وهما من أبرز معالم الحياة الكاريوكية. هذه الأحياء الواقعة في المنطقة الجنوبية، والتي خلدتها موسيقى البوسا نوفا، ما زالت حتى اليوم تجسد أسلوب حياة خاصًا يمزج بين الهدوء وحب المتعة.
ورغم أن كوباكابانا فقدت بعضًا من بريقها القديم، فإن التنزه على طول شاطئها الممتد لأربعة كيلومترات يظل تجربة مؤثرة. المكان أسطوري، لكنه ليس بالضرورة راقيًا، إذ تقطنه في الغالب الطبقة المتوسطة.
أما في إيبانيما وليبلون، فالأجواء أكثر أناقة ورقيًا. وتبقى إيبانيما الشاطئ الأكثر عصرية في ريو، خاصة عند “بوستو 9”، حيث يلتقي عارضو الأزياء، وأفراد مجتمع الميم، وأصدقاءهم، إلى جانب عشاق الكرة الطائرة الشاطئية والموضة الجريئة. وهناك أيضًا لا تزال حاضرة تلك الصورة الأسطورية لـ“فتاة إيبانيما”، التي غنّى لها جواو جيلبرتو، وكأن الزمن لم يمضِ عليها. نعم، إيبانيما لا تزال مرادفًا للسحر والأناقة.
استكشاف نبض ريو في وسط المدينة (السينترو)
لم أختزل ريو دي جانيرو في شواطئها فقط، فهي، كمدينة يقطنها ما يقارب سبعة ملايين نسمة، أبعد ما تكون عن مجرد منتجع ساحلي. ولأغوص في حيوية هذه الحاضرة اللاتينية، جُلتُ سيرًا على الأقدام في حي السينترو، حيث تتجاور ناطحات السحاب مع بقايا معمارية رائعة من الماضي، مثل دير ساو بينتو، وكنيسة ساو فرانسيسكو دا بينيتينسيا، إضافة إلى القصر القديم لنائب ملك البرازيل.
ولم أفوّت التجول في الشوارع التجارية النابضة بالحياة مثل Rua do Ouvidor وRua do Rosário، حيث يخفق القلب الحقيقي لريو الأصيلة بين المتاجر والمارة. كما زرتُ المتحف الوطني للفنون الجميلة، الذي يضم مجموعة غنية من اللوحات والمنحوتات. ومع حلول الليل، أدركتُ نصيحة السكان المحليين: تجنبتُ التجول في السينترو، باستثناء بعض المناطق الحيوية مثل شارع أوفيدور.
الاحتفال بالحياة في لابا وبوتافوغو
مع حلول المساء، تغيّرت إيقاعات المدينة، فاتجهتُ إلى حي لابا، ذلك الحي الشعبي القديم القريب من السينترو، والذي يُعد أحد أبرز مراكز الحياة الليلية. هناك، في شارع Rua Mem de Sá، وجدتُ أجواءً بوهيمية صاخبة، حيث تختلط الحشود في حانات متنوعة، من أماكن بسيطة إلى مقاهٍ عصرية، في احتفال لا ينتهي بالحياة.
كبديل أكثر هدوءًا، اكتشفتُ حي بوتافوغو، المطل على جبل شوغرلوف. يتميز هذا الحي بأجواء أكثر أناقة، حيث تحتضن المنازل الاستعمارية القديمة حانات ونوادٍ عصرية. ولم تكن هناك لحظة تضاهي متعة احتساء مشروب على ضفاف شاطئ بوتافوغو، مع إطلالة ساحرة على الجبل الشهير—لحظة تختصر سحر ريو بكل بساطة.
استنشاق الروح البوهيمية في سانتا تيريزا
أحببتُ حي سانتا تيريزا، ذلك الحي الشعبي المتربع على سفح التلال في أعالي ريو دي جانيرو. ورغم أن الترام القديم الذي كان يصعد إليه لم يعد يعمل بعد، فإن الحي لم يفقد سحره. لا شيء مبهرًا بشكل صارخ هنا، لكن ما يجذبك هو تلك الأجواء الهادئة، المختلفة قليلًا عن صخب المدينة، والتي تشكّلت بفعل حضور مجتمع من الفنانين الذين منحوا المكان روحًا خاصة. جلستُ في بعض الحانات البسيطة مثل Bar do Mineiro، حيث يمتزج الحديث بالموسيقى في أجواء دافئة.
وخلال النهار، زرتُ Museu da Chácara do Céu، الذي لا يقدّم فقط مجموعة فنية مميزة من اللوحات، بل يفتح أيضًا على حديقة تطل على مشهد بانورامي ساحر للمدينة والبحر. مكان يختصر هدوء ريو في لقطة واحدة.
التنزه بين الحديقة النباتية ولاغوا
في أحياء أكثر هدوءًا، مثل Jardim Botânico، عشتُ تجربة حسية متكاملة. هذا الفضاء الأخضر الممتد على أكثر من 100 هكتار يضم آلاف الأنواع من النباتات الاستوائية، وكان أكثر سحرًا بين شهري سبتمبر ويناير، حين تتفتح الطبيعة بكل ألوانها.
وبين الحديقة وشاطئ إيبانيما، تمتد Lagoa Rodrigo de Freitas، وهي بحيرة داخلية بمياه مالحة، لا يُنصح بالسباحة فيها، لكنها مثالية للمشي وركوب الدراجات على مساراتها المحيطة. هناك، كنتُ أتنقل بنظري بين كريستو ريدينتور وجبل شوغرلوف، بينما أستمتع بلحظات هدوء نادرة في قلب مدينة لا تنام.
استكشاف غابة تيجوكا الوطنية
وإذا كانت الحديقة النباتية قد أسرتني، فإن غابة تيجوكا أدهشتني تمامًا. إنها أكبر غابة حضرية في العالم، تمتد على عشرات الكيلومترات، وتمنح شعورًا غريبًا بأنك غادرت المدينة دون أن تغادرها حقًا.
توجهتُ إليها بالسيارة، كما يفعل معظم الزوار، ودمجتُ زيارتها مع المرور عبر كريستو ريدينتور القريب منها. هناك، وجدتُ مسارات عديدة للمشي، أبرزها ذلك الذي يقود إلى قمة Pico da Tijuca، التي يتجاوز ارتفاعها ألف متر. تجربة تُشعرك بأنك في قلب طبيعة برية، رغم أنك لا تزال على بُعد خطوات من صخب المدينة.
الجلوس إلى مائدة الفيجوادا أو التشوراسكو
من بين أكثر التجارب التي عشتها أصالة في ريو دي جانيرو، كانت تلك اللحظات التي جلستُ فيها إلى مائدة تقليدية لتذوق فيجوادا. هذا الطبق الوطني البرازيلي يُقدَّم عادة يوم السبت ظهرًا، وهو وجبة دسمة بامتياز: أشبه بكسكس أو “كسّولة” غنية بالفاصوليا السوداء وأنواع متعددة من اللحوم، تُرافقها الأرز ودقيق الكسافا. كان الطعم رائعًا، لكنني أدركت سريعًا أن قيلولة قصيرة بعده ليست رفاهية، بل ضرورة!
أما تجربة تشوراسكو، فكانت احتفالًا حقيقيًا باللحم. يُقدَّم هذا الطبق على شكل “روديزيو”، حيث يمر النادل بأسياخ من اللحوم المشوية لتُقطع أمامك مباشرة وبلا حدود. تعلمتُ سريعًا ألا أملأ طبقي في البداية، لأحتفظ بمكان للقطع الفاخرة مثل “بيكانيا” و“فيليه مينيون”. كانت وليمة سخية، تكاد لا تنتهي.
الغوص في حماسة ملعب ماراكانا
ولا يمكن الحديث عن البرازيل دون التطرق إلى كرة القدم، التي تكاد تكون ديانة بحد ذاتها. وفي ريو، يتجسد هذا الشغف في ملعب ماراكانا، أحد أشهر الملاعب في العالم.
دخلتُ الملعب، فوجدتُ أن العرض لا يقتصر على أرضية اللعب، بل يمتد إلى المدرجات حيث تتفجر الحماسة. وخلال مباراة “الديربي” بين فريقي فلامنغو وفلومينينسي، بلغ الحماس ذروته، وكأن المدينة كلها تهتز على إيقاع الهتافات.
تُقام المباريات غالبًا يومي الأربعاء أو الأحد بعد الظهر، ويمكن شراء التذاكر قبلها بيوم. ورغم توفر جولات سياحية داخل الملعب، فإنني أدركت أن التجربة الحقيقية لا تُعاش إلا بحضور مباراة.
الاستمتاع بالكرنفال و احتفالات ليلة رأس السنة
حضرتُ على الأرجح أكبر مهرجانين في الشارع في العالم، حيث كانا يجمعان ما يصل إلى مليوني شخص. كانت الأجواء مذهلة والعروض مضمونة. جعل كرنفال ريو المدينة تنبض بالحياة لمدة تقارب أسبوعًا كاملًا، وكان يُحضَّر له قبل أشهر عديدة. وتحت مظهره كاحتفال فوضوي صاخب، كان يخضع لطقوس منظمة جيدًا ذات أصول مسيحية. وظلّ الحدث الأبرز هو عرض مدارس السامبا في السامبودروم، لكن خارج إطار الاحتفالات كانت الفرق الموسيقية المحلية (البانداس) تغزو المدينة. وكانت ريو تعيش حينها على إيقاع الباتوكادا والسامبا والفورّو.
بعد الكرنفال، كان احتفال ليلة رأس السنة هو أضخم احتفال في ريو دي جانيرو. كان يُقام على الشاطئ في كوباكابانا وإيبانيما. وعند منتصف الليل بلغت الاحتفالات ذروتها: حيث أضيئت السماء لمدة 20 دقيقة بألعاب نارية هائلة. وعلى الشاطئ استولى الفرح على حشد متنوع يقارب مليوني شخص. واستمر الاحتفال طوال الليل، خصوصًا في إيبانيما. وكانت تلك لحظة كبيرة من التآلف الجماعي.
في البرازيل، على طريق الذهب
« كان شيئٌ غريب ينبعث من هذا المشهد المنعزل والوحشي، ويُثير الخيال: كنتُ أشعر أن سرًّا ما كان يختبئ تحت هذه الأرض، وهذه الحجارة، وهذه المجاري المائية ». لقد أحبّ الكاتب شتيفان تسفايغ البرازيل كثيرًا، هذا البلد-الملجأ الذي نُفي إليه عام 1940 هربًا من النازية، حتى إنه كتب عن هذه الأرض الحبيبة كتابًا رؤيويًا وشاعريًا بعنوان البرازيل، أرض المستقبل، وهو نصّ لم يكن دائمًا موضوعيًا لكنه كان صادقًا، لأنه كُتب بشغف. وقد قادته خطواته إلى كل مكان كشفت فيه الأرض البرازيلية عن ثرواتها وكنوزها: المطاط في الأمازون، وقصب السكر في الشمال الشرقي، والكاكاو والقهوة في ولاية ساو باولو.
في ولاية ميناس جيرايس، كان من الطبيعي أن يبدأ رحلته وتحقيقه حول ذهب البرازيل في مدينة أورو بريتو. ماذا رأى وماذا اكتشف؟ مدينة صغيرة سليمة، مدينة شبه شبحية ومهجورة، ما تزال تسكنها أحلام العظمة الأكثر جنونًا. مدينة قديمة، جميلة ومتعرجة، مدفونة داخل إطار من التلال والوديان المتقاطعة، شوارع قديمة مرصوفة مشيَّدة على سفوح الجبال، وكنائس باروكية رائعة، وبيوت ومساكن أرستقراطية، وكلها آثار من الثقافة الاستعمارية تنتمي إلى ماضٍ منقضٍ. ها نحن ذا. أورو بريتو ما تزال جميلة ومتعرجة، لكنها لم تعد مدينة أشباح، بل أصبحت أحد أهم مراكز السياحة الثقافية في البرازيل. وقد سرتُ فيها بحماس على خطى تسفايغ.
أورو بريتو: « قلب من ذهب في صدر من حديد »
لم تعد ولاية ميناس جيرايس تنتج الذهب اليوم، فقد نضبت المناجم، لكنها ما تزال غنية بخام الحديد والأحجار الكريمة بكميات هائلة (التوباز، الزمرد…). حتى الشركات الصينية الكبرى تأتي إليها لشراء الحديد اللازم لصناعاتها. ومع ذلك، يُشعر الإنسان فور وصوله إلى أورو بريتو أن ما يحدد مصير البشر هنا ليس السماء، بل باطن الأرض.
في زمن اندفاع البحث عن الذهب في البرازيل خلال القرن الثامن عشر، كان المعدن الأصفر مختبئًا في كل مكان، في مجاري الأنهار أو على سفوح الجبال. وقد أُسست أورو بريتو تحت اسم فيلا ريكا على يد “البانديرانتس” (روّاد الاستكشاف) الذين عثروا فيها على رواسب ذهبية مهمة. هؤلاء الرجال المتعطشون للثراء اندفعوا نحو باطن الأرض، مدفوعين بحمى الذهب. وقد أشعلت هذه الحمى المنطقة، فتحولت إلى جيب مغلق ومزدهر، مخصص للمستعمرين البرتغاليين الأغنياء والخاضعين للقانون الملكي. أما من كان يعمل في المناجم؟ فقد كانوا عبيدًا جُلبوا من إفريقيا. وكان ملك البرتغال يمنح تصاريح الإقامة ببطء شديد، ولا يمكن العيش أو العمل في المنطقة بدونها، فكانت أشبه بجيبٍ منجمي مغلق بإحكام مزدوج.
استقر فيها البناؤون والفنانون القادمون من البرتغال، مما أدى إلى ازدهار المدينة، لكن اليسوعيين لم يكن لهم تأثير فيها. وقد تزيّن هذا “الإلدورادو” البرازيلي بالنوافير المنحوتة، والكنائس ذات الزخارف الباروكية والروكوكو، والمساكن النبيلة الفخمة. ووفقًا لشتيفان تسفايغ، « أصبحت المدينة الأكثر فخامةً والأكثر اكتظاظًا بالسكان في أمريكا ». وفي عام 1720، أصبحت أورو بريتو عاصمة ولاية ميناس. وكانت تلك أبهى فترات تاريخها.
ذهب مصهور، وذهب على شكل حبيبات
في ذلك الزمن، كان ذهب أورو بريتو يُستخرج ويُصهر على شكل سبائك، ثم يُنقل على عربات أو على ظهور البغال ضمن قوافل يحرسها الجنود، عبر طريق “الكامينو رويال” (الطريق الملكي). وكانت البضاعة الثمينة تُنقل إلى موانئ ريو (حيث كانت الرحلة تستغرق شهرين) وباراتي على الساحل، ثم تُشحن على السفن لتعبر المحيط الأطلسي نحو لشبونة. وهكذا، جعل ذهب البرازيل البرتغالَ ثريّة في القرن الثامن عشر.
لم يكن يُسمح بتداول سوى السبائك المختومة من السلطات الملكية، بينما كان الذهب على شكل حبيبات يُترك في المكان، في يد الباحثين عنه الذين كانوا غالبًا يخفونه داخل زجاجات تُخبّأ في جدران البيوت الحجرية. وحتى اليوم، أثناء أعمال الترميم، يكتشف سكان أورو بريتو أحيانًا زجاجات مملوءة بالذهب، ويمكن أن تحتوي الزجاجة الواحدة على 25 كيلوغرامًا من الذهب، «ولهذا السبب يبقى الناس هنا صامتين دائمًا بشأن اكتشافاتهم… » كما أخبرني خوسيه إفِيجينيو، الذي لم يجد الذهب في الجدران، بل وجده في لوحاته. فهذه اللوحات، بالنسبة له، هي أروع “حبيبات” الروح.
خوسيه إفِيجينيو وأسرار حجر الإسكندريت
خوسيه إفِيجينيو بينتو كويلو فنان تشكيلي في حوالي الخمسين من عمره. كان وجهه المرح ذو الشارب يوحي بمزيج من أينشتاين وجورج براسانس وألكسندر دوما. إنه مزيج جميل من الدم البرتغالي والأنغولي، برازيلي أصيل. في مرسمه ومعرضه الذي كان في مرآب قديم في ساحة جوفِنال، كان يعرض لوحات تشكيلية بألوان الأزرق والأخضر، تُظهر مدينة أورو بريتو ومناظر ولاية ميناس جيرايس.
حين كان طالبًا في الفنون الجميلة والفلسفة (وقد كتب أطروحة عن الوضعية، مذهب مؤسسي الجمهورية البرازيلية)، عاش عامًا في كوسكو في بيرو، وزار فرنسا التي كان يحبها أكثر من أي شيء. كان يتحدث الفرنسية جيدًا. وبإعجابه بفان غوخ، قام برحلة حج إلى أوفير-سور-واز على خطى هذا الفنان الذي كان يحترمه مثل سيزان ومونيه وفيلاسكيز. بالنسبة لخوسيه، لا شيء جديد في الكون: « الكون يسخر منا ونحن نضحك من الكون! ». وفي الوقت الحالي، كان خوسيه، المليء بروح الدعابة، يجعلنا نضحك بالفعل. كان هو نفسه تجسيدًا للمرح.
على متن سيارته الصفراء القديمة، جُلتُ معه في المدينة وصعدنا إلى سفح جبل حتى وصلنا إلى نقطة مشاهدة “ساو سيباستياو” المطلة على أورو بريتو. يا لها من إطلالة رائعة! التلال الخضراء كانت تتماوج بلا نهاية، والشوارع والمنازل البيضاء ذات الأسقف القرميدية كانت تتجمع في الأودية الضيقة، وتتعلق بالمنحدرات، وتصعد وتهبط عبر تضاريس وعرة. ومن المثير أن قمم التلال بقيت خالية من البناء، لأن المدينة، المصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو، تخضع لقوانين عمرانية صارمة جدًا.
التقى خوسيه بصديقه ماركو سيلفا، وهو جيولوجي برتغالي شاب شغوف بالأحجار الكريمة، ومؤلف أطروحة دكتوراه عن حجر الإسكندريت، وهو حجر نادر وغامض. وما ميزه؟ أنه، بسبب ظاهرة غريبة في الكيمياء المعدنية، يغيّر لونه حسب الضوء: في النهار يكون أخضر مزرقًا، وفي الليل يصبح أحمر مائلًا إلى البرتقالي. إنه صغير جدًا، نادر جدًا، وباهظ الثمن. فهل وجدنا حجر الفلسفة؟ لا. بل وجدنا حجرًا برازيليًا تسكنه روح إنسانية.
مرحبًا سيدي العمدة!
قام خوسيه إفِيجينيو بترتيب لقاء مع عمدة المدينة الذي كان يعرفه جيدًا. وبينما كان سيلٌ من الأمطار ينهمر على الوادي، صعدنا درجات سلم خشبي من خشب استوائي. ثم أدخلتنا سكرتيرة إلى مكتب واسع في الطابق الأول من المبنى الرسمي. كان العمدة، المنحدر من بيلو هوريزونتي، محاميًا وصحفيًا وسياسيًا مقرّبًا من الرئيس لولا، وذكّرنا بأن أورو بريتو كانت مهد حركة استقلال البرازيل في بداية القرن التاسع عشر، وأول موقع وطني يُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1980.
وبفرنسية ممتازة، روى لنا هذا الرجل الأنيق والمثقف قصة إعجاب الشاعر والكاتب بلزاك ساندراس بأورو بريتو. قال: « أقام الكاتب الرحّالة الشهير شهرًا في عام 1923 في أورو بريتو. وسكن في فندق توفولو، نُزُل الفنانين الذي ما يزال قائمًا حتى اليوم (72، شارع ساو خوسيه). وقد أحب المدينة وتاريخها لدرجة أنه أراد كتابة كتاب عنها. وكان يوبّخ أصدقاءه من طليعة البرازيليين الذين كانوا أكثر تعلقًا بأوروبا من البرازيل، قائلًا لهم: لا تركبوا السفينة إلى لوهافر، بل خذوا القطار إلى أورو بريتو. ففن البرازيل وُلد هنا، ويجب عليكم العودة إليه. بالنسبة لساندراس، كانت البرازيل أرضًا جديدة ينبغي على الفنانين اعتبارها مصدر إلهام ».
تيرادينتيس، عشّ الفنانين
على بعد 155 كيلومترًا جنوب أورو بريتو، وسط قوس من التلال الهادئة، توجد مدينة استعمارية صغيرة ساحرة في ولاية ميناس جيرايس، حافظت على حجمها الإنساني دون أن تبيع روحها للتقدم. كانت لا تزال غير معروفة جيدًا.
تأسست تيرادينتيس عام 1702 على يد مستوطنين من ساو باولو بحثًا عن مناجم الذهب، وأصبحت قاعدةً ومحطةً مهمة على “الكامينو رويال” (الطريق الملكي) الذي كانت تمر عبره قوافل الذهب والأحجار الكريمة المتجهة إلى البرتغال. وتحمل المدينة اسم “تيرادينتيس” نسبة إلى أبي استقلال البرازيل الذي حُكم عليه وأُعدم عام 1792 في الساحة العامة بأورو بريتو. وبعد سنوات من النسيان، أصبحت اليوم مدينة صغيرة ذات طابع فني، مُعاد إحياؤها، ومصنفة كأحد كنوز تراث ميناس جيرايس. وقد نجت تيرادينتيس من تحولات الحداثة، ولم تُشوَّه معالمها، ويمكن اعتبارها متحفًا مفتوحًا للعمارة الاستعمارية البرازيلية في العصر الذهبي.
هي مدينة سياحية بالتأكيد، لكنها ما تزال أصيلة، بشوارعها المرصوفة بالحجارة، وكنائسها الباروكية، وبيوتها البيضاء والملونة على الطراز البرتغالي، المتلألئة في الضوء بنوافذها الصغيرة ذات الزجاج المقسّم، ومحلات الحرفيين والتحف، ومعارضها الفنية الكثيرة. وتمنح متاجر الشوكولاتة المنتشرة فيها رائحة الكاكاو العذبة للمدينة. وقد أُعجب الكاتب دومينيك فرنانديز بتيرادينتيس إلى درجة أنه أقام فيها لكتابة أحد أهم كتبه حول الفن الباروكي البرازيلي: ذهب المناطق المدارية. ويمكن فهم ذلك بسهولة، فالمكان مزين بعشر كنائس صغيرة على الطراز الباروكي.
أوسكار أرايبي، رسّام البرازيل الكبير
كنتُ أسير في شارع طويل شديد الانحدار، مرصوف ببلاطات حجرية رمادية كبيرة، متآكلة ومتفككة، يصعد نحو كنيسة ساو أنطونيو، وكأنه لم يتغير منذ زمن المستعمرين البرتغاليين الذين كانوا ينقلون شحنات الذهب والأحجار الكريمة. وعلى اليسار، وسط صف من البيوت الملوّنة والمزينة بالزهور، لاحظتُ معرضًا فنيًا بجدران بيضاء وزرقاء، كأن ضوء الجزر اليونانية قد نُقل إلى قلب البرازيل. كانت تلك “مؤسسة أوسكار أرايبي”، التي تضم قاعات عرض واستوديو أحد أكبر الرسامين الأحياء في البرازيل.
كان أوسكار صحفيًا سابقًا، ومؤلفًا لكتاب حقق نجاحًا كبيرًا عن الصين، وناشطًا في “العمل الشعبي”، ومتمردًا من سبعينيات القرن الماضي. وقد اختبأ لمدة ثلاثة أشهر في دير دومينيكاني هربًا من الشرطة ومن الديكتاتورية، وكان عمره آنذاك 24 عامًا. واليوم، وقد تجاوز الستين، ما يزال يحتفظ بروح الشباب الدائم في كلامه وحركاته. وكان يقول: « جميع الأشخاص المهمين في البرازيل اليوم خرجوا من حركة العمل الشعبي. لقد كنا أول من انتقد الاشتراكية السوفيتية في البرازيل ».
كان أوسكار يتحدث الفرنسية، ودودًا، منفتحًا، ومليئًا بالحيوية. دعاني إلى مرسمه، وشربنا “الكاشاسا”، وهو مشروب مصنوع من قصب السكر. كانت لوحاته المليئة بالألوان الزاهية تغطي الجدران، وكان الحديث معه لا ينتهي. شخصية مفعمة بالألوان، وقد صمم لعبة تاروت خاصة به (التاروت هو مجموعة من الأوراق تتكوّن غالبًا من 78 بطاقة، ويُستخدم بطريقتين مختلفتين: كلعبة ورق أو للعرافة وقراءة الرموز، وقد صمّم لعبة تاروت خاصة به، أي رسم بطاقات تحمل رموزه وأفكاره الفنية، وربما استلهم فيها الثقافة البرازيلية و شخصيات من خياله)، بدافع حبه للخيال والمرح. وكان يقول: « أنا رسام غريب الأطوار مثل الصينيين القدماء ». وكان صديقًا شخصيًا للمعماري البرازيلي أوسكار نيماير، الذي تزوج وهو في التاسعة والتسعين! حقًا، يبدو أن “أوسكارات” البرازيل يخرجون عن المألوف.
الأنبياء الاثنا عشر في كونغونهاس
على قمة تلة، يرتفع مزار “بوم جيسوس” في كونغونهاس، على طريق أورو بريتو نحو ريو، كأنه تاج فوق مدينة بلا بريق. يصعد إليه سلم حجري كبير، تحفّه أشجار النخيل الإمبراطورية الأنيقة. وتقف تماثيل مؤثرة في السماء الزرقاء. وقد نُحتت من حجر “الصابونيت” المحلي، وهو حجر طري لكنه شديد الصلابة أمام الزمن، ويمثل الأنبياء الاثني عشر في الكتاب المقدس. وقد وصفها شتيفان تسفايغ، بإعجاب، بأنها « بطولية ومتوقدة في آن واحد، وتعبّر جيدًا عن روح الفنان المتحمس ».
من هو هذا الفنان؟ إنه نوع من “ميكيل أنجلو البرازيلي”. اسمه أنطونيو فرانشيسكو ليزبوا، ويُعرف أيضًا باسم “أليجادينيو”، أي “الأعرج الصغير”. وُلد عام 1730 في أورو بريتو، وهو ابن نجار برتغالي وأم إفريقية مستعبدة، وكان مولاتو أميًا لا يعرف القراءة ولا الكتابة. كان قبيح المظهر، بل مرعبًا، بجسد مشوّه، وأقدام وأيدٍ أكلها مرض الجذام. لم يكن يريد أن يرى أحدًا ولا أن يراه أحد. عاش فقط من أجل عمله وبعمله. وبسبب احتقاره للعالم ولنفسه، انغمس في فنه، وأنجز روائعه في كنائس ميناس جيرايس، من أورو بريتو إلى كونغونهاس. وقد استنزف هذا العبقري الأعمى والمشلول نفسه حتى سن الرابعة والثمانين، وأصبح اليوم من أعظم فناني الباروك في تاريخ البرازيل. إنه انتقام الأنا يعندما يخذلها الجميع.
في كونغونهاس، نقش في الحجر الرمادي الجمال الروحي وقوة الإيمان لدى الأنبياء، ومنح سماء البرازيل والناس الذين احتقروه ما لم يجده يومًا على الأرض: الأمل. وفي كونغونهاس، على طريق الذهب، أصبح الزمن قابلًا للعكس، وبفضل أليجادينيو، تتحول الدقائق إلى أبدية.
وهكذا، من ريو دي جانيرو الصاخبة إلى مدن الذهب الهادئة في ميناس جيرايس، تتكشف البرازيل كفسيفساء من الجمال والتناقضات: طبيعة آسرة، تاريخ مثقل بالذهب والعبودية، وفنّ يخلّد ذاكرة المكان ويمنحه معنى يتجاوز الزمن. بين شواطئ ريو وكنائس الباروك، وبين أسطورة الكرنفال وصمت أورو بريتو، أدركتُ أن البرازيل تجربة حسية وإنسانية كاملة، تُعيد تعريف معنى الحياة نفسها.

