رحلة بين الماضي الذي يسكن الذاكرة، وبين الفضاء الأوسع للعالم اللي تتخيله الشاعرة
إنَّ النص الذي تقدمه الشاعرة “مرجان آزرم نوایی” ليس مجرد سيرة ذاتية أو تعريف بالذات، بل هو “بيان شعري” يحدد موقع الذات في خريطة الجغرافيا والتاريخ والثقافة. هذا النص يمثل محاولة واعية لرسم “جغرافيا روحية”، حيث تذوب الحدود بين المكان الشخصي (مدينة آمل، نهر هراز) والمكان الكوني (العالم كقصيدة).
الهوية والارتباط بالأرض
في الحقيقة فإنَّ طريقة الشاعرة في بناء هويتها تعتمد على فكرة جميلة: “التجذر المتسامي”. فلا تقدم نفسها كشخص وحيد منعزل، بل كوريثة لتراث أدبي كبير. فعندما تستخدم رموز مثل عمر الخيام، مولانا، فردوسي، فهي ليست مجرد أسماء تزيّن النص. بل هي آلية تأصيل. كأنها تقول: لا أقف على أرض فراغ. أنا امتداد لسلسلة ذهبية، سلسلة من العقول صاغت الوجدان الإنساني. وهنا الفكرة تتضح: هويتها ليست منفصلة بل متجذرة وممتدة في نفس الوقت.
جماليات المكان
النص يبدأ من الصورة الكبيرة، إيران، ثم يذهب فجأة للتفاصيل الصغيرة، نهر هراز في آمل. هذا الانتقال من العام إلى الخاص يمنح النص مصداقية حسية. كأنك وقف عند النهر فعلًا.
الماء هنا ليس عنصر طبيعي فقط. هو خيالٌ يجري في دم الشاعرة مثلما يجري النهر في الأرض. وكما أنَّ النهر يغذي الأرض، التراث يغذي قصيدتها. الربط هذا يجعل آمل تتحول من بقعة جغرافية إلى رحم رمزي للإبداع.
ثانيًا: التناصّ كأداة لبناء “الذات الجماعية
تبرع الشاعرة في توظيف “التناصّ” باحترافية منقطعة النضير. إنَّ ذكرها لأسماء مثل فروغ فرخزاد، نيما يوشيج، ونزار قباني ليس مجرد استعراض ثقافي، بل هو إعلان عن “تشكّل ذائقتها.
تداخل الأصوات: الشاعرة تؤكد أنها “صوتٌ من أصواتٍ متعددة. هذا التواضع المعرفي (بأنها تجمع شتات أصوات العالم) هو ما يمنحها التميز والثقة؛ فهي لا تسعى لتمثيل “الأنا” الفردية المنغلقة، بل تسعى لتمثيل “الأنا” المنفتحة التي ترى في الآخر (سواء كان شاعرًا تشيليًا كنيرودا، أو عربيًا كنزار قباني) جزءًا من تجربتها الوجودية.
التشخيص الشعري
الموضوع هنا حيوي جدًّا. فالشاعرة تحوِّل المؤثرات التي حولها لأصوات تتنفس داخلها، هذا يعطي النص حياة ووضوح، الشاعرة لا تقرأ هؤلاء الشعراء فقط. وإنّضما تتنفس قصائدهم. وفي رأيي أنَّ تجربة الدكتورة التراكمية. ليست مجرد معرفة سطحية، بل تراكم حقيقي للأصوات داخلها.
التوتر بين الكلاسيكي والحداثي
هنا يبدأ صراعٌ حلوٌ بين أشكال الشعر. النص يعكس حوارًا ما بين القديم والجديد. فالشاعرة تعترف إنها تتنقل بين شيئين: الوزن الكلاسيكي، وهذا إرث الأجداد والضبط العروضي، وبين انكسار نيما وحرية شاملو. وهذا التنقل، هو مرونة تقنية. الموضوع ببساطة أنها تقول لنا: روحي أوسع من القوالب. أي الشكل الذي يخدم المعنى وهي فلسفة ناضجة جدًّا تدل على وعي عميق بجدلية الشكل والمضمون معًا بدون قيود.
الجزء الفلسفي والأخلاقي: الرسالة
النص ينتهي بحلم، ففكرة أنَّ العالم كله قد أضحى قصيدة وحده، وهنا تنتقل الشاعرة من مرحلة “مّن أنا؟! إلى مرحلة “لماذا أكتب؟!”. أي من الوصف إلى الغاية.
السلام ليس مجرد كلمة إيجابية محبوبة. بل هو في نظر الشاعرة عمل إبداعي، وبوصلة أخلاقية.
النص:
ابْنَةُ الضَّوْءِ وَالْمَدَى
أنا مرجان، ابنة أرض إيران
أرضُ العاشقين: طالب وزهرة
أمير وجوهر
ليلى ومجنون
موطن شيرين وفرهاد
بيژن ومنيژه
وارثةُ غزليات حافظ الشيرازي
ورباعيات الخيّام
ودوبيتيات بابا طاهر
ومثنوي مولانا
وقصائد الفردوسي
أجعل الحبّ يجري في قصائدي
كما يجري الماء الصافي في نهر هراز في مدينتي آمل
أنا قادمةٌ من أرضِ الألحان القديمة
أغاني “أميري” و“طالِبا”، و“كتولي” و“نجما”…
من الأزقّة التي تفوح منها رائحة الأجداد
من ترابٍ يتنفس الشعر والغناء
ومن حكاياتٍ تناقلتها الأمهات جيلاً بعد جيل
من أرضٍ ما زالت الكلمات فيها تفوح بعبير السلام
أنا أؤمن
أن الحبّ بلا حدود
وأن السلام هو أجمل قصيدة في هذا العالم
أنا مرجان…
وفي كلماتي أثرٌ من أصواتٍ متعددة:
من غزل «حافظ» الرقيق…
ومن شغف «مولانا» المتوهّج…
ومن الحزن الإنساني العميق عند «فروغ فرخزاد»…
ومن التمرد الفلسفي عند «نيما يوشيج»…
ومن السرد الإنساني عند «نزار قباني»…
ومن الصمت المفعم بالمعنى عند «بابلو نيرودا»…
أحياناً أتنفّس على الوزن الكلاسيكي…
وأحياناً في تكسّر الشعر الحر عند نيما…
وأحياناً في حرية قصيدة النثر عند شـاملو…
وأحياناً في همسات سهراب سبهري العاشقة
الذي كان يقول: «حيثما توجد شقائق النعمان، يجب أن نحيا»
أنا مرجان…
وكلماتي شذرات من أصوات العالم كلّه
تجتمع في داخلي لتصل إلى السلام
وحلمي أن يصبح العالم يوماً
قصيدةً واحدةً كبيرة…
قافيتها الحبّ
ووزنها الإنسانية
– مرجان آزرم نوایی

