المكسيك: زحامٌ يُلهِم وإلهامٌ يَزحَم

مكسيكو ليست مجرد مدينة، ولا حتى عالمًا قائمًا بذاته؛ إنها أشبه بأخطبوط ضخم، ممتد الأطراف، واحدة من أكبر المدن العملاقة على وجه الأرض. بالنسبة لي، كان وقع الصدمة قويًا في البداية. لكنني أدركت سريعًا أن مكسيكو، بهذا الإفراط الهائل في حجمها، تختزل جوهر المكسيك كله.

ما إن خرجت من المطار، حتى اندفعت نحوي كل فوضى أمريكا اللاتينية، في ضجيج الاختناقات المرورية، عبر الطرق المزدوجة والثلاثية، أو في الأزقة الضيقة. وعلى أنهار الشوارع الواسعة المهيبة، كانت نحو مئة ألف سيارة أجرة خضراء (تلك الفولكسفاغن “بيتل” اللطيفة) تنساب من إشارة ضوئية إلى أخرى، مرورًا بالمهرجين الصغار والبائعين المتجولين.

وجدتُ مكسيكو متجرًا ضخمًا مفتوحًا تحت السماء، مدينة تعيش وتكافح في الشارع، من الأحياء الشعبية البعيدة في الأطراف إلى المركز التاريخي الرائع.

هنا يلتقي الجميل بالقبيح، والعظيم بالمتردي، والنعومة بالعنف. لا شيء محايد في مكسيكو. إنها مدينة في حركة دائمة، مفرطة في ضخامتها بقدر ما هي آسرة.

مرحبًا بك في ميغالوبوليس: مكسيكو

كنتُ أقرأ أن الأزتك كانوا يفخرون بأنهم يعيشون في أجمل مدينة في العالم. وحين وصل الكشافة الإسبان الذين أرسلهم كورتيس، أُصيبوا بالدهشة مثلما أُصبت أنا لاحقًا. كانت تينوتشتيتلان، محاطة بالبراكين، قائمة وسط بحيرة واسعة، تتخللها شوارع فسيحة وقنوات مائية؛ مدينة في أوج عظمتها حين استولى عليها الغزاة.

كانت، بحجمها وقوتها، رمزًا لسلطة شعب كامل امتدت حتى أطراف أمريكا الوسطى. لكن بعد حصار عام 1521، لم يبقَ منها سوى الأطلال.

وبعد خمسة قرون، ما زلتُ أرى أن مكسيكو تجسّد مركزية السلطة في البلاد. إنها الرأس والقلب معًا، وما تزال تجذب آلاف القادمين الجدد، أولئك “المظليين” من الفلاحين الذين يصلون فجأة بحثًا عن حياة أفضل. صحيح أن موجات السبعينيات والثمانينيات خفّت قليلًا، لكن ما زال يصل يوميًا ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف شخص.

خلال عشرين عامًا فقط، تضاعف عدد السكان. ووفقًا للأمم المتحدة، أصبحت ثالث أكبر مدينة في العالم بعد طوكيو ودلهي، وتنافس نيويورك. كنتُ أمام مدينة يبلغ عدد سكانها رسميًا أكثر من 20 مليون نسمة، منهم نحو 8.8 ملايين في المقاطعة الفيدرالية.

وقد تمددت المدينة، التي نشأت على ارتفاع 2250 مترًا، حتى غطّت كامل الوادي وراحت تتسلق المنحدرات أكثر فأكثر، على مساحة تقارب 1500 كيلومتر مربع. أما أطول شوارعها، شارع إنسورخنتس، فيمتد لنحو 29 كيلومترًا! وتذكرتُ قول الممثل شافا فلوريس: “حتى عشّ النمل ليس بهذا الاكتظاظ”.

جنون مكسيكو

وجدت العاصمة، مدينة فوضوية، متوترة، نابضة بالحياة. عند إشارات المرور، كان لاعبو النار، ومنظفو الزجاج، والبائعون بكل أشكالهم، يملكون ثلاثين ثانية فقط لإقناعي، بين الأحمر والأخضر.

كنت أسمع صراخ باعة الصحف: “خذوا الغرافيكو! خذوا الغرافيكو!”، وفي عربات المترو المهتزة، حيث نتكدس بلا نظام، كانت أقراص الموسيقى الرخيصة تنتقل من يد إلى أخرى.

أدركتُ أن إطعام هذا العدد الهائل من البشر يتطلب الاستيقاظ مبكرًا. ففي سوق سنترال دي أباستوس، قلب المدينة النابض، تمتد المستودعات على مساحة 328 هكتارًا، حيث تُنقل يوميًا، وعلى مدار 20 ساعة، نحو 25 ألف طن من المواد الغذائية.

لكن الشمس هنا ليست مضمونة أبدًا؛ فهي غالبًا ما تختبئ خلف طبقة كثيفة من التلوث تغطي الوادي كله. والأسوأ أن المدينة تغوص تدريجيًا، لأنها بُنيت فوق بحيرة تيكسكوكو الجافة، التي ما زالت أرضها تهبط ببطء. بعض الأحياء بلا ماء، وبعض المباني تبدو وكأنها تغرق.

تساءلتُ: ماذا يبقى لسكان مكسيكو؟ وجدّت الجواب في إيمانهم بـ العذراء غوادالوبي كعزاء، وفي كرة القدم والمصارعة كتنفيس، لكن قبل كل شيء، في تلك الرغبة العارمة في الحياة داخل مدينة لا تنام أبدًا.

وهكذا، لم تكن رحلتي مجرد زيارة، بل لقاءً مع مكسيكو الحقيقية، المدينة التي يجب أن تُعاش بكل تناقضاتها.

جلالة الزوكالو

في قلب مكسيكو، وجدتُ نفسي داخل المركز التاريخي الذي وصفه ألكسندر فون هومبولت في القرن التاسع عشر بـ«مدينة القصور»، والذي أصبح اليوم مُدرجًا ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.

في وسط المدينة تمامًا، تمتد ساحة الزوكالو، شاسعة كمدرج طائرات، تعلوها راية مكسيكية عملاقة، ويحتل موقع السوق الكبير لمدينة تينوتشتيتلان. كل شيء هنا بدا لي هائلًا، بدءًا من كاتدرائية مكسيكو التي أُعيد بناؤها بين 1571 و1813 بمزيج من الطرازين الباروكي والكلاسيكي الجديد.

أدهشني حجمها: طولها 128 مترًا، عرضها 59 مترًا، خمس بلاطات ترتفع نحو قبة بعلو 60 مترًا، وست عشرة كنيسة جانبية! كانت الأنظار كلها تتجه نحو «مذبح الملوك» بزخارفه الذهبية المليئة بالملائكة والورود؛ ثراءٌ هائل يوحي وكأنه صُمّم ليُبهر ويُخضع.

إلى الشرق، يبرز مبنى الساغراريو بواجهته المزخرفة بأسلوب تشوريغيريسك الغني بالتفاصيل. وعلى الجانبين، يقف «جبل الرهن» في مواجهة القصر الوطني، الذي بُني فوق قصر الإمبراطور موكتيزوما الثاني باستخدام أحجاره نفسها. وهناك، تأملتُ الجداريات التي أنجزها دييغو ريفيرا في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يمتزج العصر ما قبل الكولومبي مع وصول الغزاة، تحت نظرة كارل ماركس وهو يعلن صراع الطبقات.

في ظل تينوتشتيتلان

لم يبقَ من المدينة الأزتكية سوى أطلال قليلة. خلف الكاتدرائية، اكتشفتُ بقايا تيمبلو مايور، القلب الرمزي للعالم القديم، الذي أُعيد اكتشافه صدفة عام 1978 أثناء أعمال كهربائية.

كان المعبد، الذي توسّع بين 1375 و1519، يبلغ ارتفاعه نحو 45 مترًا. وفي أعلاه كان معبدان: أحدهما مكرّس للإله هويتزيلوبوتشتلي، والآخر للإله تلالوك. أما الطقوس التي كانت تُقام هناك، فقد بدت لي قاسية ومخيفة، خاصة عند رؤية «جدار الجماجم» الذي يبعث قشعريرة حقيقية.

في المتحف المجاور، تأملتُ مئات القطع المكتشفة، وأبرزها قرص حجري مذهل للإلهة كويولكساوكي.

وفي عطلة نهاية الأسبوع، شاهدتُ راقصي «الكونشيروس» وهم يعيدون إحياء الرقصات الأزتكية على إيقاع الطبول، مرتدين أزياء تقليدية وريشًا ملونًا. لم يكن ذلك مجرد عرض فولكلوري بالنسبة لي، بل شعرتُ أنه تعبير حي عن هوية وتاريخ لا يزالان يقاومان النسيان.

روائع المركز التاريخي

عندما غادرتُ الزوكالو، سرتُ في شارع «مونيدا» الجميل وشارع «بينو سواريز»، حيث تصطف القصور الاستعمارية المبنية من حجر التيزونتلي البركاني بألوانه الدافئة. كثير منها تحوّل إلى متاحف مثل متحف خوسيه لويس كويفاس والمتحف الوطني للثقافات، حيث يلتقي الفن المعاصر بعظمة الماضي.

وفي مبنى وزارة التعليم، وقفتُ أمام أكثر من 200 لوحة جدارية رسمها دييغو ريفيرا خلال ست سنوات من العمل المتواصل.

تابعتُ طريقي نحو ساحة بلازا سانتو دومينغو، حيث يجلس الكتّاب العموميون تحت الأقواس، في مشهد يعيدك إلى زمن آخر.

ومن هناك، سرتُ غربًا عبر شارع ماديرو، حيث القصور تعيد إحياء أمجاد القرن الثامن عشر. لفت انتباهي قصر خوسيه دي لا بوردا، ذلك الرجل الذي جمع ثروته من مناجم الفضة.

لكن الأكثر إدهاشًا كان كاسا دي لوس أزوليخوس، بواجهاته المغطاة بالكامل ببلاط أزرق وأبيض. وعندما دخلتُ، وجدتُ في داخله لوحة جدارية رائعة للفنان خوسيه كليمنتي أوروزكو.

هنا، شعرتُ أن مكسيكو ليست مجرد مدينة… بل طبقات متراكمة من الجمال، والتاريخ، والتناقض، تُروى لكل من يملك الوقت ليصغي.

واحات داخل المدينة

في صباح يوم أحد، كنتُ أمشي في شارع «خواريز»، ولاحظتُ كيف يختفي ضجيج المحركات تمامًا. حلّ مكانه راكبو الدراجات، ومتزلجو الرولر، وحتى خيول الشرطة التقليدية، وهم ينزلقون بهدوء عند سفح برج لاتينو أمريكانا. صعدتُ بنظري نحو الطابق 44، حيث يمكن رؤية بانوراما رائعة تمتد نحو حديقة ألاميدا سنترال.

هذه الحديقة، التي تعود إلى القرن السادس عشر، بدت لي كواحة حقيقية في قلب المدينة، بأشجارها الكبيرة، وأحواض أزهارها، ومساراتها التي تتلاقى عند نافورة باروكية جميلة. وفي عطلة نهاية الأسبوع، تتحول إلى فضاء احتفالي: سيارات صغيرة للأطفال تتصادم بمرح، وأكشاك تبيع «التشيشارّونيس» (قشر لحم الخنزير المقلي) وغزل البنات، وسط ضحكات الأطفال ونظرات الأمهات.

في الجهة المقابلة، شدّني مبنى ضخم يشبه قالب حلوى عملاق: قصر الفنون الجميلة. من الخارج يبدو كلاسيكيًا، لكن داخله عالم آخر؛ مزيج من الفن الحديث والآرت ديكو، وجداريات أنجزها كبار الرسامين المكسيكيين، وستارة مسرح مذهلة من زجاج «تيفاني».

وإذا أردتُ أجواءً أكثر شعبية، فما عليّ إلا التوجه إلى ساحة غاريبالدي، حيث ينتظر موسيقيو المارياتشي الزبائن كل مساء، يعرضون أغانيهم مقابل المال… ومعها غالبًا جولة من التكيلا.

من باسيو دي لا ريفورما إلى متحف الأنثروبولوجيا

اتجهتُ غربًا عبر شارع باسيو دي لا ريفورما، الواسع والمليء بالمعالم الضخمة، والذي يقود نحو تلة خضراء هي تشابولتيبيك. على امتداد 3.5 كيلومترات، كنتُ أسير بين الأرصفة العريضة، وناطحات السحاب، والفنادق الفاخرة.

إلى الجنوب، مررتُ بمنطقة زونا روزا، التي تتحول ليلًا إلى مركز صاخب للحياة الليلية، وتمتد نحو حي لا كونديسا، أحد أفضل الأماكن للخروج، إلى جانب كولونيا روما.

وفي نهاية الطريق، دخلتُ غابة تشابولتيبيك، «تلة الجراد»، الرئة الخضراء للمدينة. هناك، تعلو قلعة تشابولتيبيك، حيث أقام الإمبراطور ماكسيميليان الأول لفترة قصيرة. داخل القلعة، شاهدتُ عربته الفخمة وبعض القاعات المزخرفة التي تروي قصة تلك الحقبة.

لكن أكثر ما أدهشني كان المتحف الوطني للأنثروبولوجيا. لو كان عليّ اختيار مكان واحد فقط في مكسيكو، لكان هو. هنا تُعرض أعظم كنوز حضارات ما قبل كولومبوس: من رؤوس الأولمك الحجرية إلى حجر الشمس الأزتكي، مرورًا بواجهات معابد وقطع مذهلة من حضارات المايا وتيوتيهواكان.

غوادالوبي: العذراء على بساط متحرك

أدركتُ أن زيارة بازيليكا غوادالوبي أمر لا يمكن تفويته، تمامًا كما لا يمكن زيارة باريس دون رؤية الموناليزا.

عند محطة «لا فييا»، كان المترو يفرغ حشودًا من الحجاج والعائلات. في الخارج، تصطف الأكشاك المليئة بصور العذراء، والشموع، والهدايا الدينية. وعلى الساحة، رأيتُ دراجات مزينة بالورود، جاء أصحابها من مدن بعيدة مثل بويبلا، بابتسامات مفعمة بالإيمان.

الجميع جاء لتكريم «ملكة مكسيكو»، العذراء غوادالوبي، التي يُقال إنها ظهرت أربع مرات للهندي خوان دييغو عام 1531.

البازيليكا القديمة بدت مائلة ومهددة بالانهيار، لذلك بُنيت إلى جانبها كنيسة حديثة واسعة من الخرسانة، دائرية الشكل. هناك، رأيتُ الزوار يتقدمون على بساط متحرك أمام الصورة المقدسة المطبوعة على عباءة خوان دييغو، في نظام يمنع الازدحام.

وتبلغ هذه التجربة ذروتها بين 8 و12 ديسمبر، خلال عيد الحبل بلا دنس، حين تتحول المدينة إلى موجة بشرية من الإيمان والاحتفال.

هنا، شعرتُ أن مكسيكو ليست فقط مدينة تُرى، بل تجربة تُعاش بكل الحواس.

على خطى فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا

شعرتُ وأنا أتجول في بعض أحياء مكسيكو أن المدينة ما زالت تحتفظ بعبق القرى القديمة التي ابتلعتها مع الزمن. في سان أنخيل وكويواكان، على بُعد نحو 8 كيلومترات جنوب المركز، وجدتُ شوارع هادئة، وساحات صغيرة، وكنائس ريفية وحدائق تمنح إحساسًا عميقًا بالسكينة.

في بلازا إيدالغو، توقفتُ أمام «بيت كورتيس» المتواضع، حيث عاش هيرنان كورتيس مع رفيقته لا مالينشي. وعلى مقربة، احتضنت ساحة بلازا دي لا كونشيتا كنيسة صغيرة ساحرة بطراز مدجّن.

وفي شارع «ريو تشوروبوسكو»، دخلتُ منزلًا بسيطًا يحمل ذاكرة ثقيلة: منزل ليون تروتسكي مؤسس الجيش الأحمر السوفياتي. هنا تحصّن عام 1939 خلف أبواب ونوافذ مدرعة، لكنه لم ينجُ من الاغتيال عام 1940. كل شيء بدا لي وكأنه متوقف عند تلك اللحظة.

قبل ذلك، كان تروتسكي قد أقام لدى صديقيه دييغو ريفيرا وفريدا كاهلو. وعلى بعد بضعة شوارع، زرتُ متحف منزل فريدا كاهلو، ذلك المنزل الأزرق الجميل حيث وُلدت وعاشت. بين لوحاتها ومقتنياتها وأغراضها الشخصية، شعرتُ بحضورها القوي؛ امرأة فنانة، متمردة، ومتصالحة مع جذورها.

أما دييغو ريفيرا، فكان له منزله الخاص في سان أنخيل، الذي تحول اليوم إلى متحف استوديو دييغو ريفيرا. في مرسمه الواسع المضيء، رأيتُ الفرش التي لم تعد تلامس الألوان، بل يغطيها غبار الزمن.

سوتشيميلكو: عودة إلى الماضي

كلما ابتعدتُ جنوبًا، شعرتُ وكأنني أعود عبر الزمن. تراجع الإسمنت تدريجيًا، ليكشف عن أحد آخر شواهد العصر الأزتكي: سوتشيميلكو، «مكان الزهور المزروعة».

تخيلتُ أن أطراف تينوتشتيتلان كانت تبدو هكذا: شبكة واسعة من القنوات والجزر الزراعية العائمة «تشينامباس»، التي كانت تغذي المدينة بالخضروات والفواكه. لهذا صُنّفت سوتشيميلكو ضمن التراث العالمي.

خلال أيام الأسبوع، وجدتُ المكان هادئًا بشكل مدهش. انعكاس أشجار الصفصاف على الماء، مرور الغيوم، وزهور الماء الطافية… كل شيء كان شاعريًا. سمعتُ زقزقة الطيور، ورأيتُ طيور البلشون تراقب فرائسها في صمت. وفي المياه، يعيش كائن نادر هو أكسولوتل، الذي يحتفظ بشكل يرقي طوال حياته.

لكن في عطلة نهاية الأسبوع، يتغير كل شيء. تمتلئ القنوات بقوارب «تراخينيراس» الملوّنة، تحمل العائلات، وأحيانًا فرق المارياتشي، في جولات مليئة بالموسيقى والطعام والبهجة.

كانت أسماء القوارب تتلألأ بالألوان: لوبيتا، جيسيكا، مارغريتا… ومع ازدحام الأصوات، بدت القوارب وكأنها تتمايل مثل سفن مخمورة.

هنا، شعرتُ أن مكسيكو لا تُختصر في مدينة واحدة، بل في طبقات من الزمن، حيث يظل الماضي حاضرًا، يطفو فوق الماء، كما في سوتشيميلكو.

أواكساكا: يوم الموتى (Día de los Muertos)

في الأول من نوفمبر، وضعتُ مكياج الجمجمة مثل السكان المحليين، وسرتُ بينهم في المقابر المضاءة بالشموع. لم يكن المشهد حزينًا، بل مفعمًا بالحياة: موسيقى، ضحك، طعام، وذكريات.

لم أكن وحدي تماما، فقد استحضرت أحداث فيلم كوكو للرفقة. رأيتُ العائلات تجلس بجانب قبور أحبائها، كأنهم ما زالوا أحياء. هنا، لم يعد الموت نهاية، بل امتداد. تذكرتُ مقولة غابرييل غارسيا ماركيز: “الموت لا يأتي مع الشيخوخة، بل مع النسيان.”

وفهمتُ أن هذا الاحتفال ليس عن الموت، بل عن مقاومة النسيان. في ميتلا، “مدينة الموتى”، تذكرت كيف ربطت حضارات الزابوتيك بين الموت والعمارة. ثم في هيرفي إل أغوا، أمام الشلالات المتحجرة، شعرتُ أن الزمن نفسه يمكن أن يتجمد. هناك، بدا لي أن الطبيعة ليست مجرد خلفية للحياة، بل شريك فيها.

تشياباس، المكسيك الهندية

على مقربة من غواتيمالا، في إقليم تشياباس، تلك المنطقة التي تجمع بين الطابع الاستوائي والجبلي، والتي تمتلك هوية فريدة وقوية في آن واحد. هنا، أكثر من 20٪ من السكان ينحدرون من أصول أمريكية أصلية، ومعظمهم من أحفاد حضارة المايا.

جئتُ أساسًا إلى تشياباس لاكتشاف مواقعها الأثرية، مثل بالينكي، لكنني سرعان ما انبهرتُ أيضًا بجمال مناظرها الطبيعية، وغنى ثقافتها، وحيوية حياتها اليومية المتدفقة. إنها بالفعل تجربة لا تُنسى في أي رحلة إلى المكسيك.

في أقصى جنوب المكسيك، يبرز إقليم تشياباس بهويته القوية التي تعكس، جغرافيًا وثقافيًا، قربه من غواتيمالا المجاورة. تمتد المنطقة شرقًا نحو الأراضي الاستوائية المنخفضة في بيتين، حيث ازدهرت حضارة المايا في الماضي، بينما تتشبث أجزاء واسعة منها بسفوح جبال سييرا مادري وماسيسو سنترال. وهناك، على ارتفاع يتراوح بين 1500 و2000 متر، استقرت منذ وقت مبكر أولى المدن الاستعمارية.

في هذه الأراضي الباردة، توجد أعلى نسبة من السكان الأصليين في البلاد؛ إذ تتعايش فيها ما لا يقل عن 12 مجموعة عرقية مختلفة، تمثل نحو ثلث سكان الإقليم، ومن أبرزها التزيلتال والتزوتزيل.

لاحظت أن هذه الشعوب، التي قاومت الاستعمار ووقفت ضد حملات التنصير، طوّرت لدى بعضها أشكالًا مدهشة من التوفيق الديني، تمزج بين التعاليم المسيحية والمعتقدات الماياوية القديمة.

وقد ساهمت هذه الخصوصيات، على الأرجح، في ظهور حركة تمرد فريدة من نوعها عام 1994؛ إذ أسّس الزاباتيستيون، المنتمون إلى جيش زاباتيستا للتحرير الوطني، مجتمعات مستقلة تُدار ذاتيًا، خارج إطار الدولة المركزية، في تجربة تعايش لافتة ومختلفة.

سان كريستوبال دي لاس كاساس: تشياباس الاستعمارية

وصلت إلى سان كريستوبال دي لاس كاساس، حيث ينبض «السوق الكبير» بالحياة طوال اليوم، كأنه معدة المدينة التي لا تهدأ. أتنقل بين أكوام الطماطم، وأكياس الفاصوليا الجافة، وتلال التوابل، وحفَنٍ كاملة من الفلفل الحار. وكذلك ما بين السمك المجفف، وأكشاك الموسيقى، والملابس المستعملة، وأحذية زهيدة الثمن. وفي زاوية ضيقة، أتابع إعداد خبز التورتيلا، حيث تُطهى أقراص الذرة والقمح على صفائح ساخنة كبيرة.

في الساحة المركزية، الزوكالو، تتكثف الحركة حول الكشك الكبير تحت ظلال النخيل العتيقة. إلى الشمال، ترتفع كاتدرائية سان كريستوبال دي لاس كاساس بواجهتها ذات اللون الزعفراني المزينة بزخارف بيضاء تشبه الجليد. أُدركت أن هذه الكنيسة، التي كُرّست منذ تأسيس المدينة عام 1528، أُعيد بناؤها بأسلوب باروكي لافت. وهنا، أستحضر شخصية بارتولومي دي لاس كاساس، الذي وعظ في هذا المكان وترك اسمه للمدينة.

تمشيت عبر الممر الكنسي المخصص للمشاة، حيث تصطف أكشاك المنسوجات الزاهية، حتى وصلت إلى واجهة معبد سانتو دومينغو من القرن السابع عشر، المزينة بتماثيل القديسين والأسود والكائنات الأسطورية والنسور مزدوجة الرأس. شعرت أن الزخارف الخشبية المذهبة هنا تسعى لإبهار كل من يراها. وفي الدير القديم المجاور، زرت مركز لوس ألتوس الثقافي حيث اكتشفت أثاثًا استعماريًا ومجموعة رائعة من المنسوجات الهندية.

ومن الزوكالو، قصدت محورًا آخر يقودني إلى معبد غوادالوبي في سان كريستوبال، الذي يتربع على قمة درج واسع. وعلى الساحة الأمامية، لاحظت صليبًا أخضر من تقاليد التزوتزيل، يرمز إلى شجرة الحياة لدى المايا، وكأنه يتحدى العلم المكسيكي وتمثال العذراء المتلألئ بالأضواء.

سان خوان تشامولا: معقل شعب التزوتزيل

تابعت رحلتي إلى سان خوان تشامولا، حيث يعيش شعب التزوتزيل، ثاني أكبر جماعة عرقية في تشياباس بعد أقاربهم التزيلتال. تبدو البلدة عادية في ظاهرها، لكنها تكشف عن تمسك قوي بعاداتها وتقاليدها الخاصة، حيث تمتزج تعاليم الشامان مع الطقوس الكنسية.

نزلت إلى الساحة، ثم دخلت كنيسة سان خوان باتيستا، فتفاجئت بأرضيتها المغطاة بإبر الصنوبر المقدسة. لا توجد مقاعد هنا؛ بل يجلس المصلون على الأرض، يرددون صلواتهم أمام صفوف من التماثيل، محاطين بشموع مضاءة تختلف أعدادها وألوانها حسب كل صلاة. أرى بعضهم يشرب رشفة من مشروب «بوكس» المصنوع من الذرة وقصب السكر، ثم يبصقها كنوع من التطهير، بينما يستخدم آخرون المشروبات الغازية لنفس الغرض.

زرت السوق المحلي يوم الأحد، حيث رأيت الرجال يرتدون سترات صوفية خشنة فوق قمصان بيضاء، مع قبعات رعاة البقر وصنادل تقليدية. كما أن التصوير غير مرحب به هنا.

على بُعد تسعة كيلومترات، وصلت إلى زينكانتان، التي تبدو أكثر انفتاحًا. سوقها الصغير مليء بالسحر، حيث تُعرض على الأرض ملابس مطرزة مثل «الهويبيل»، وأوشحة «الريبوزو»، وكرات الخيوط والحقائب بألوان وردية وبنفسجية. هنا، شعرت فعلًا أن الحياة تُرى بلون وردي.

تشياباس، في أرض الزاباتيستا

كيف يمكن أن لا أجد أي حافلة متجهة إلى أوكوسينغو؟ لقد كانت شركات النقل قد سئمت من الحواجز المتكررة والطويلة التي كان السكان والحركات التمردية المختلفة يقيمونها في المنطقة؛ إذ كانوا، عند أدنى ذريعة، يغلقون الطرق بالكامل أو يفرضون رسوم مرور قسرية. وهكذا، أصبحت الطريق الرئيسية التي تربط بين سان كريستوبال دي لاس كاساس وبالينكي غير صالحة للاستخدام منذ أشهر، ولم يبقَ في الخدمة سوى سيارات النقل الجماعي (الكوليكتيفوس) التي كانت تسلك طريقًا التفافيًا يضيف ساعة كاملة عبر بلدتي ألتاميرانو وتشانال.

هناك، دخلت إلى أراضي جيش زاباتيستا للتحرير الوطني (EZLN)، الذي تأسس عام 1994، في اليوم ذاته الذي وقّعت فيه الحكومة المكسيكية اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة وكندا. كان الفلاحون الهنود في تشياباس يدركون تمامًا كيف ستؤدي تلك الاتفاقية إلى تدمير اقتصادهم، بفعل الدعم الأمريكي الضخم؛ فأصبح محصولهم من الذرة، رغم بساطة ظروفهم، أغلى من أن ينافس.

ورغم أن هذا الجيش لم يكن عنيفًا في الغالب، وقد قاده حتى عام 2016 القائد الشهير ماركوس، فقد حظي بتعاطف واسع من أنصار العولمة البديلة. لكن كل محاولات التوصل إلى تسوية باءت بالفشل، إذ رفضت الحكومة المركزية منح السكان الأصليين حق الإدارة الذاتية. ومع ذلك، لم ينتظروا الإذن، بل فرضوا هذا الحق بأنفسهم.

وهكذا، كنتُ أرى لافتات كبيرة ترحب بالمسافرين في “الأراضي المحررة”، من أوكوسينغو إلى ألتاميرانو وما بعدها، حيث “الشعب يطالب والحكومة تطيع”. كانت المدارس والمراكز الطبية والاجتماعية تُدار بشكل مستقل، غير أن جزءًا من السكان فضّل الهجرة إلى مناطق أكثر أمانًا وحيوية، حيث الطرق أفضل حالًا والخدمات أكثر انتظامًا.

المطبخ المكسيكي

كنتُ أتساءل: ماذا ستكون المكسيك بدون «الأنتوخيتوس» (الوجبات الخفيفة)؟ لقد وجدتها حاضرة في كل مكان تقريبًا، في المتاجر المتخصصة، والأسواق، وعلى الأرصفة. بالنسبة لي، كانت خيارًا سريعًا في الطريق أو وجبة بسيطة وغير مكلفة.

كنتُ أختار بين التاكو، والبوريتو، والكيساديا المحشوة باللحم أو الجبن، كلها ملفوفة في خبز التورتيلا المصنوع من الذرة أو القمح. وإذا رغبتُ في تجربة أكثر جرأة، اتجهتُ نحو الإنشيلادا أو التامالي، هذا الأخير الملفوف في أوراق الذرة. واكتشفتُ أن أفضل تاكو في المدينة يمكن تذوقه في مطعم «إل تيزونسيتو» في حي لا كونديسا.

في المطاعم، لم أكن أفوّت طبق الغواكامولي، ثم جرّبت السيفيتشي (السمك المتبل)، أو «مولي بوبلانو» (دجاج بصلصة حارة ممزوجة بالشوكولاتة)، أو أكتفي بوجبة مشوية لذيذة مثل «كارني أسادا». لكنني تعلمتُ بسرعة أن كثيرًا من الأطباق المكسيكية حارة جدًا… لذا كنتُ حذرًا!

كما صادفتُ مطاعم متخصصة في أطباق الأزتك، مثل «لوس خيراسوليس»، حيث أتيحت لي فرصة تذوق أطعمة غير مألوفة: جراد مشوي حار، بيض النمل، وحتى ديدان الأغاف! ومع ذلك، كنتُ أجد راحتي دائمًا في المطاعم الشعبية الصغيرة التي تقدم يوميًا الدجاج المشوي بأسعار بسيطة.

وفي النهاية، كنتُ أختم وجبتي بلمسة حلوة، فأدخل أحد محلات الحلويات العريقة، مثل «دولسيريا» الأنيق، الذي يعود إلى عام 1874، والذي لا يزال يحتفظ بسحره القديم.

وفي الختام لا أجد أبلغ من مقولة الكاتب والمفكر المكسيكي أوكتافيو باث أوكتافيو باث، لتختصر كل تفاصيل الرحلة: “المكسيك ليست مكانًا نعيشه فقط، بل واقعٌ متناقض نكتشف فيه أنفسنا كلما حاولنا فهمه.”

no
no

لقد ساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال

اختار المشارك أن يبقى مجهولًا.

المعلومات المقدمة حول هذا الموضوع ليست بديلاً عن المشورة المهنية ، ويجب عليك استشارة أحد المتخصصين المؤهلين للحصول على مشورة محددة تتناسب مع وضعك. بينما نسعى جاهدين لضمان دقة المعلومات المقدمة وحداثتها ، فإننا لا نقدم أي ضمانات أو إقرارات من أي نوع ، صريحة أو ضمنية ، حول اكتمال أو دقة أو موثوقية أو ملاءمة أو توفر المعلومات أو المنتجات أو الخدمات أو ما يتعلق بها الرسومات الواردة لأي غرض من الأغراض. أي اعتماد تضعه على هذه المعلومات يكون على مسؤوليتك الخاصة. لا يمكن أن نتحمل المسؤولية عن أي عواقب قد تنجم عن استخدام هذه المعلومات. يُنصح دائمًا بالحصول على إرشادات من محترف مؤهل.