بعد نهاية رحلتي الرائعة في غواتيمالا، توجهت الى دولة بليز عبر الحافلة، كانت مدة الرحلة خمس ساعات، وقد تم الالتزام بها تقريبًا مع تأخير بسيط لا يتجاوز 15 دقيقة.
قبل الانطلاق قدّمت لي موظفة الفندق فطورًا خفيفًا ووجبة صغيرة للطريق. عند الحدود نزلنا من الحافلة مع حقائبنا، وهو إجراء ضروري للمرور عبر الجمارك الغواتيمالية حيث تم ختم جواز السفر. وقد وضع الموظف ختمًا جميلًا، بعكس موظف المطار الذي ختم فوق ختم دولة التشيك.
عبرنا الحدود سيرًا على الأقدام للوصول إلى الجانب البليزي حيث تم ملء استمارة الدخول، وقد أعرت قلمي لسائح أرجنتيني ولم أره مجددًا. أمر معتاد.
تم ختم جواز السفر، بعد التصريح إن كان لديك شيء للإفصاح عنه، ثم الانطلاق إلى بلد جديد. صعد رجل إلى الحافلة ليعرض علينا تبديل عملتنا (الكيتزال الغواتيمالي) إلى الدولار البليزي، وهو أمر ضروري عند مغادرة البلاد. كان هناك العديد من الركاب العابرين عبر بليز في طريقهم إلى المكسيك.
وعلى الطريق، المناظر كانت تشبه شمال غواتيمالا: أراضٍ مسطحة دون مرتفعات، منازل ملوّنة، غالبًا مبنية على أعمدة، مع نوافذ محاطة بقضبان.
بدت لي مدينة بليز العاصمة محطة مناسبة للحصول على انطباع أولي عن البلد، بمجرد النزول من الحافلة، وجدت نفسي محاط بسائقي سيارات الأجرة ومحاولات الاستقطاب. قررت البحث عن الفندق بمفردي، وبالطبع سلكت الاتجاه الخاطئ، وكما العادة دفعت أكثر.
الغرفة كانت مقبولة، لكن المكيّف كتن صاخب جدًا ولا يمكن إطفاؤه لأن الغرفة تصبح شديدة الحرارة، بالإضافة الى أنها تطل على شارع مزدحم وصاخب. واضطررت لزيارة أربع بنوك قبل أن أتمكن من سحب المال، إذ أن بطاقاتي لا تقبل في كل الأماكن.
المدينة تضم العديد من الكنائس والمعابد الدينية. والطقس كان عاصف والبحر هائج. ورغم موقعها الساحلي، لا توجد شواطئ في وسط المدينة.
ألوان بليز المتحدة
المسافرون الذين يعرفون أمريكا الوسطى، ذات التأثيرات الهندية والإسبانية، سيشعرون بالدهشة عند اكتشاف بليز. فعلى الرغم من صغر حجمها وطموحات جيرانها التوسعية، فقد حافظت على خصوصيتها، فهي مزيج فريد بين الطابع البريطاني والكاريبي، نتيجة انصهار ثقافي مذهل يظهر على وجوه سكانها: أكثر من ثلث السكان من الميستيزو (خليط إسباني-مايا)، وقليل أقل من الكريول.
كان أول سكان المنطقة هم المايا منذ حوالي 1500 عام، ويشكلون اليوم نحو 10٪ من سكان بليز. وفي القرن السابع عشر، استقر القراصنة البريطانيون وجلبوا معهم عبيدًا سودًا، ثم تحولوا تدريجيًا إلى استغلال الغابات، خاصة خشب الماهوغني.
في القرن الثامن عشر، انضم إليهم شعب الغاريناغو القادم من سانت فنسنت في الكاريبي، وهو شعب ناتج عن اختلاط بين عبيد أفارقة وسكان الكاريب الأصليين، الذين ينحدرون بدورهم من هنود فنزويلا. واليوم، تمثل هذه الجماعة أقل بقليل من 10٪ من السكان، وتعيش أساسًا حول مدينة دانغريغا، محافظةً على تقاليدها المميزة.
في عام 1862، أصبحت المنطقة مستعمرة بريطانية باسم هندوراس البريطانية. وافتتح مهاجرون لبنانيون وآخرون قادمون من الصين والهند متاجر تجارية. واكتملت هذه الفسيفساء البشرية في خمسينيات القرن العشرين بوصول جماعات المينونايت من كندا والمكسيك، الذين يعيشون في مجتمعات مغلقة، ويتبعون تعاليم الكتاب المقدس بصرامة، ويتحدثون لهجة جرمانية.
ولإضفاء لمسة أخيرة، يمكن القول إن الملك تشارلز الثالث، الذي تظهر صورته على الدولار البليزي، هو رئيس الدولة: فرغم إعلان الاستقلال عام 1981، لا تزال بليز عضوًا في الكومنولث، وتبقى الإنجليزية لغتها الرسمية، وإن كانت غالبًا ممزوجة بلهجات متنوعة أو بالكريول المعروف باسم “الإنجليزية المكسّرة”.
ومؤخرًا، وصلت موجة جديدة من الولايات المتحدة إلى سواحل بليز، مكونة من سياح، غالبًا لقضاء شهر العسل، ومتقاعدين يرغبون في قضاء شيخوختهم تحت الشمس.
مدن المايا في الغابة
على الرغم من مساحتها المتواضعة، تضم بليز عددًا كبيرًا من آثار حضارة المايا: نحو ثلاثين موقعًا رئيسيًا، دون احتساب المواقع الأصغر أو تلك التي لم تُكتشف بعد في أعماق الغابة. لا يزال أمام علماء الآثار الكثير من العمل، فحتى في المواقع المفتوحة للسياح، لا تزال العديد من المعابد والمباني مخفية وسط الغطاء النباتي الكثيف.
تُعد مدينة لاماناي، التي يعني اسمها «التمساح الغارق»، أجمل مدينة في البلاد. شُيّدت حوالي عام 1500 قبل الميلاد، وتم التخلي عنها نهائيًا، بعد تقلبات عديدة، في نهاية القرن الثامن عشر. والطريقة المثلى لزيارتها هي الوصول بالقارب من بلدة أورانج ووك. وخلال الإبحار في نهر نيو، يمكن مشاهدة التماسيح، وزهور الأوركيد، والخفافيش، ومزارع المينونايت، والطيور الاستوائية. وبعد الوصول إلى الموقع، وتحت مراقبة القرود المختبئة في الأشجار، ستشاهد الوجوه المنحوتة المذهلة عند مدخل معبد القناع، قبل أن تصعد إلى قمة المعبد الكبير، حيث تنتظرك إطلالة رائعة على الجبال والنهر.
كما أن المنظر على الوادي مذهل أيضًا من موقع شونانتونيتش «العذراء الحجرية»، وهي مدينة قائمة على تلة بالقرب من الحدود مع غواتيمالا. ينتشر فيها نحو عشرين معبدًا وقصرًا وسط الغابة، مزينة بنقوش جميلة.
أما موقع ألتون ها، الذي كان مأهولًا بين عامي 600 و900 ميلادية، فليس الأكثر إبهارًا، لكنه سهل الوصول. وقد عُثر فيه على رأس من اليشم يمثل إله الشمس. وعلى النقيض، فإن موقع كاراكول «الحلزون» بالإسبانية، أقل سهولة في الوصول، خاصة في موسم الأمطار حيث تصبح الطرق غير سالكة، إذ يقع في عمق الغابة. ويُعد هذا الموقع مركزًا احتفاليًا مهمًا ويضم أكبر هرم في البلاد، مشهد مهيب حقًا.
عصر القراصنة
وصل المستعمرون الإسبان عام 1520 واستقروا في بليز دون أن يقوموا باستعمارها فعليًا، إذ اعتبروها منطقة قليلة الأهمية. وبعد ذلك، جاء دور البريطانيين الذين سيطروا على بليز في منتصف القرن السابع عشر. شهدت المنطقة العديد من هجمات القراصنة، حيث تنافس الإسبان والقراصنة الإنجليز (الكورساير) على نهب الكنوز الموجودة على السفن الإسبانية. ثم تم توقيع معاهدة مدريد عام 1667، مما وضع حدًا لهذه الهجمات.
وكان القراصنة البريطانيون، الذين كانوا يقيمون سابقًا في الجزر القريبة من الساحل، قد استقروا لاحقًا على البر الرئيسي، وجلبوا معهم عبيدًا من إفريقيا وجامايكا لاستغلال تجارة الأخشاب الثمينة، خاصة خشب “الكمبيش” والماهوجني. وأدى هذا النشاط التجاري إلى نشوء نزاعات بين الإسبان والبريطانيين، وكذلك مع غواتيمالا والمكسيك اللتين طالبتا بأجزاء من الأراضي.
بعد توقيع معاهدة أولى عام 1859، والتي لم تُنهِ النزاع، أعلنت المملكة المتحدة في عام 1862 بليز مستعمرة باسم “هندوراس البريطانية” (وكانت تابعة لجامايكا حتى عام 1884)، ثم أصبحت مستعمرة تابعة للتاج البريطاني عام 1871.
بليز: جنة الغواصين
الكنز الآخر في بليز لا يقع تحت الغطاء النباتي الكثيف، بل تحت المياه الفيروزية الصافية للبحر الكاريبي. وعلى امتداد موازٍ للساحل، تمتد الشعاب المرجانية لمسافة 300 كيلومتر، وهي ثاني أطول حاجز مرجاني في العالم بعد أستراليا. وتتكوّن من نحو 4000 جزيرة صغيرة تُعرف باسم “كايز”، ومعظمها غير مأهول ومغطى بأشجار المانغروف، التي تُعد موطنًا مفضلًا للأسماك والطيور.
وقد اكتسب “الثقب الأزرق” شهرة عالمية بفضل القبطان كوستو خلال بعثة قبل أكثر من ثلاثين عامًا، ويُعد أشهر موقع في البلاد. هذا القرص شبه المثالي، الذي يبلغ قطره 300 متر، يتميز بلونه الأزرق الداكن وسط المياه الشفافة، وهو في الواقع حفرة عميقة يزيد عمقها عن 100 متر، تشكلت نتيجة انهيار كهف من الحجر الجيري، ولا تزال فيه صواعد وهوابط كلسية. ويستمتع الغواصون، سواء باستخدام أنبوب التنفس أو معدات الغوص، بالسباحة أيضًا في محمية هول تشان البحرية، وسط الشعاب المرجانية الملونة، وأسماك البراكودا، والشفانين، والسلاحف، وأسماك قرش الشعاب التي تتميز بالخجل وتبقى على مسافة آمنة.
ويمكن الوصول بسهولة إلى هذه المحمية من جزيرتي كاي كولكر وأمبيرغريس كاي. وتُعد الأخيرة الأكبر والأكثر جذبًا للسياح، خاصة من أمريكا الشمالية. وقد أشادت بها مادونا في أغنيتها «لا إيسلا بونيتا». لكن أصل اسمها أقل رومانسية بكثير، إذ يشير “العنبر الرمادي” إلى مادة معوية تفرزها حيتان العنبر، ذات رائحة قوية وقابلة للاشتعال، كانت تطفو في هذه المياه وتترسب على السواحل. ولو عرف السياح ذلك، ربما أثّر على الصورة الأنيقة للجزيرة. ومع ذلك، فهي تشهد إقبالًا كبيرًا رغم ارتفاع الأسعار مقارنة بغيرها، لدرجة حدوث ازدحام في عربات الغولف الصغيرة. ولحسن الحظ، فإن المركبات الأخرى ممنوعة باستثناء الدراجات.
أما الجزيرة المجاورة كاي كولكر، فتتميز بأجواء أكثر استرخاءً، ربما بفضل ماضيها المرتبط بثقافة الهيبيز. ففي شوارعها الرملية، المحاطة بمنازل ملونة، يحيي الجميع بعضهم البعض، سواء كانوا سياحًا أو سكانًا محليين. وإذا تمشيت بسرعة زائدة، فقد يناديك أحد أتباع ثقافة الراستا متسائلًا بلطف عن سبب هذا الاستعجال الغريب من وجهة نظره، فشعار المكان هو: «go slow» “تمهّل”، وكذلك “لا قميص، لا أحذية، لا مشكلة”. « no shirt, no shoes, no problem ! ».
اليغور، القرود، الببغاوات والأوركيد
بعد استكشاف الحياة البحرية المذهلة، يأتي الدور على الغابات الاستوائية، التي تحتضن تنوعًا حيوانيًا استثنائيًا. وتحظى هذه البيئة بالحماية داخل عدة محميات طبيعية، تصل إليها طرق تُسمى “طرقًا سريعة” لكنها في الواقع بعيدة عن مفهوم الطرق السريعة، فهي طرق متفاوتة الصيانة، تمر أحيانًا بمنازل فخمة تحيط بها حدائق مرتبة على الطراز الإنجليزي، لكنها غالبًا ما تكون محاطة بأكواخ خشبية بسيطة مرفوعة على أعمدة، على الطراز الكريولي، إضافة إلى بعض الملاجئ الخرسانية لمواجهة الأعاصير.
وبعد ذلك، لا بد من مغادرة هذه الطرق الرئيسية وسلوك مسارات ترابية. وهذا هو الحال مثلًا للوصول إلى مدخل محمية كوكسكومب بيسين، التي تُعد ملاذًا لليغور (النمر الأمريكي)، حيث يتعايش مع حيوانات أخرى مثل البوما، والقطط البرية، والببغاوات الحمراء، والطوقان، والتابير وغيرها. وخلال التجول في المسارات المحددة، ستحتاج إلى دقة ملاحظة كبيرة لرؤية هذه الحيوانات البرية الرائعة.
وينطبق الأمر نفسه على محاولة رصد القرود العواء في محمية بابون. ستسمع أصواتها من بعيد، وهذا الصوت الأجش ليس لبقرة معدلة وراثيًا، ولا لديناصور استيقظ من سباته، ولا لوحش مفترس هائج. إنها صرخات مميزة تصدرها هذه القرود لتحديد مناطق نفوذها، مما يزيد من غموض أجواء الغابة.
وكعادته في إدهاش زواره، يكشف بليز أيضًا عن جانب مختلف في محمية ماونتن باين ريدج، وهي غابة من أشجار الصنوبر تتخللها زهور الأوركيد، والشلالات، والبرك الطبيعية في مجرى النهر. إنها فرصة رائعة لنزهات ساحرة في قلب الطبيعة.
بلدٌ تشكّل عبر الزمن الطويل
لا يمكن اختزال تاريخ بليز في مجرد حكاية استعمارية متأخرة أو في مسألة حدوده المتنازع عليها فقط. بل يندرج ضمن مسار تاريخي طويل تعاقبت فيه عوالم متعددة وتداخلت: عالم مدن المايا وشبكاتها التجارية؛ وعالم الإمبراطوريتين الإسبانية والبريطانية وما بينهما من تسويات إقليمية؛ وعالم الشعوب المُهجّرة، من الأفارقة الذين استُعبدوا، إلى الغاريفونا المنفيين، إلى المايا الفارين من حروب الطبقات، وصولًا إلى مهاجري أمريكا الوسطى الهاربين من صراعات القرن العشرين.
ولا تزال هذه الطبقات التاريخية حاضرة اليوم في المشهد العام: أطلال ضخمة مدفونة في الغابة الاستوائية، قرى مايا تعتمد على زراعة “الميِلبا”، مدن ساحلية كريولية، مجتمعات غاريفونا مرتبطة بالبحر، حقول قصب السكر والحمضيات التي تعود إلى دورات زراعية أحدث، ومنتجعات سياحية موجهة نحو الغوص على ثاني أكبر حاجز مرجاني في العالم. كما تظهر هذه التراكمات في المؤسسات السياسية، المستلهمة من نموذج وستمنستر لكن المكيّفة مع سياق كاريبي وأمريكي وسطي، وفي دبلوماسية حريصة دائمًا على الحفاظ على توازن دقيق مع الدول المجاورة.
وتجسد التجربة البليزية، بطريقتها الخاصة، تحدي تحويل فضاء كان يُستغل طويلًا كمجرد منطقة خلفية إلى دولة ذات سيادة، تسعى إلى التوفيق بين التنمية والتعدد الثقافي والحفاظ على تراثها، سواء كان طبيعيًا مثل الحاجز المرجاني، أو ثقافيًا مثل آثار المايا والإرث الكريولي والغاريفونا.
في هذا البلد الصغير، يظل التاريخ القديم والسياسة المعاصرة مرتبطين ارتباطًا وثيقًا: فما يُناقش اليوم أمام محكمة العدل الدولية بشأن حدود رُسمت في القرن التاسع عشر، يجد جذوره في القرارات والصراعات والتسويات التي، منذ زمن كاراكول ولاماناي، جعلت من هذا الإقليم ملتقى الأطماع.
وهكذا، لا تنتهي الرحلة في بليز عند حدود الجغرافيا، بل تبدأ في طبقة أعمق من الإدراك؛ حيث تتلاشى الفواصل بين الماضي والحاضر، بين الحجر المرجاني وهرم المايا، بين هدير الغابة وصمت البحر. في هذا البلد الصغير، يبدو الزمن وكأنه لم يمشِ بخط مستقيم، بل دار في دوائر متداخلة، تاركًا وراءه عالمًا لا يُفهم دفعة واحدة، بل يُكتشف طبقة بعد أخرى، كما لو أن كل خطوة على ترابه هي صفحة تُفتح من كتاب لم يُكتب بالكامل بعد.
بليز هي فسيفساء بشرية وطبيعية وتاريخية ترفض أن تُختزل، وتصرّ على أن تبقى في حالة انبثاق دائم بين ما كان وما يمكن أن يكون. هناك، لا تبدو الحدود خطوطًا على خريطة، بل أسئلة معلّقة في الهواء: من يملك الأرض؟ ومن يملك الذاكرة؟ ومن يروي القصة الأخيرة؟
وكأن بليز، في صمتها المليء بالحياة، تهمس للزائر بما قاله الفيلسوف هيراقليطس قبل قرون:”لا يمكنك أن تعبر نفس النهر مرتين”. لكن في بليز، لا يتغير النهر فقط، بل يتغير معنى العبور نفسه.

