تؤدي بنما دور حلقة الوصل بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، كما تشكل جسرًا بين البحر الكاريبي والمحيط الهادئ. هذا البلد الصغير، المنفتح على مختلف التأثيرات، بدأ يفتح أبوابه تدريجيًا أمام الزوار، وهو أمر مرحّب به. فرغم أن صورته كملاذ ضريبي ما تزال عالقة في الأذهان، وما تزال تجاوزات حقبة نورييغا حاضرة في الذاكرة، فإن بنما طوت تلك الصفحة منذ زمن.
وعقب فضيحة «وثائق بنما» (Panama Papers)، التي كشفت كمًا هائلًا من المعلومات غير المسبوقة حول عالم التمويل الخارجي انطلاقًا من أرشيف مكتب «موساك فونسيكا» البنمي، وجدت البلاد نفسها متهمة من قبل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بكونها آخر معاقل التهرب الضريبي الكبرى. غير أن بنما التزمت سنة 2018 بتبادل البيانات الصادرة عن مؤسساتها المالية، في خطوة مثلت تحولًا مهمًا في مكافحة الجريمة المالية، كما شكّلت بالنسبة للبلاد عملية مواءمة مع المعايير الدولية التي تسمح لها بالاندماج بشكل أوسع في الاقتصاد العالمي.
ولا يزال قطاع الأعمال يمثل الركيزة الأساسية لاقتصاد مزدهر، لكن بنما أدركت أيضًا القيمة الهائلة لتنوعها البيولوجي، الذي يكاد يضاهي تنوع كوستاريكا المجاورة، وتسعى اليوم إلى حمايته، حتى أصبح السياحة البيئية أولوية سياسية واضحة.
انطلقت رحلتي إلى بنما من مطار محمد الخامس بالدار البيضاء نحو مدريد عبر رحلة قصيرة على متن الخطوط الإسبانية «إيبيريا»، قبل مواصلة السفر في رحلة عابرة للأطلسي إلى بوغوتا الكولومبية على متن طائرة Airbus A350. وبعد توقف قصير في العاصمة الكولومبية، أكملت الرحلة باتجاه مدينة بنما، لأصل أخيرًا إلى مطار توكومين الدولي بعد ساعات طويلة من السفر بين ثلاث قارات وثلاث مدن، في بداية مغامرة جديدة نحو قلب أمريكا الوسطى.
كانت مدينة بنما العاصمة أولى المفاجآت الجميلة في البلاد، فهي مزيج حضري يجمع بين روح دبي وملامح هافانا. فمنذ اللحظة الأولى، تتصادم العوالم أمام الزائر: الغابة الاستوائية تحتضن عاصمة تعج بناطحات السحاب، فيما تمتد الطرق الواسعة الشبيهة بالأوتوسترادات على طول خليج مفتوح على المحيط الهادئ.
العاصمة الساحرة
مدينة بنما لا تختصرها قناتها الشهيرة فقط. فالعاصمة البنمية تكشف عن فسيفساء آسرة من التناقضات: مدينة استعمارية وحديثة، استوائية وعمودية، صاخبة وتأملية في آنٍ واحد. من أزقة “كاسكو بييخو” التاريخية إلى ناطحات السحاب الممتدة على “أفينيدا بالبوا”، ومن سيفيتشي سوق السمك إلى مطابخ الذواقة المحلية، يجد الزائر نفسه يعبر بين عالمين، ومحيطين، وإيقاعين مختلفين. إنها يومية مكثفة، مدهشة ولذيذة، في قلب مدينةٍ يتجاوز فيها الواقع حدود البطاقة البريدية.
في الصباح الباكر، على ممشى “سينتا كوستيرا”، يتبادل العداؤون وباعة الفاكهة وطيور النورس ضحكات الصباح الأولى. هذا الكورنيش المزروع بأشجار النخيل، والذي أُعيد تهيئته حديثًا، يمنح الزائر أول لمحة عن التباين الساحر بين الطبيعة والعمران. وعلى بُعد خطوات قليلة، يبدأ “ميركادو دي ماريسكوس”، سوق المأكولات البحرية النابض بالحياة.
إنه وقت السيفيتشي الصباحي — نعم، حتى على معدة فارغة. سمك “كورفينا” المتبّل، والليمون الأخضر الذي يوقظ الحواس، والكزبرة المختبئة في النكهة، والبصل الأحمر الذي يمنح اللقمة قرمشتها الأخيرة. ويُرافق ذلك كله كوب من عصير الماراكويا الطازج. في مدينة بنما، الحموضة توقظ أكثر من الإسبريسو، والنكهات تبدو منذ الصباح كرنفالًا بحريًا مفتوحًا.
بعد وجبة الفطور قمت بجولة صباحية في الحي التاريخي الذي لا يمكن تفويته، بين الشرفات الحديدية والكنائس الاستعمارية ومحلات الحرفيين. “كاسكو بييخو” هو روح المدينة: لوحة حيّة يتجاور فيها الهيبستر الملتحون مع الراهبات المتجولات وباعة الحلوى المثلجة.
هنا يتعايش الماضي الاستعماري مع أناقة الصالات الحديثة وحانات الكوكتيل العصرية. دخلت إلى “كازا غونغورا”، وتمشَّيت في الأزقة المزينة بالجهنمية، وتوقفت أمام الكاتدرائية الكبرى، ثم زرت محلات “المولا” التي تنسجها نساء شعب الغونا. إنّه حيّ يبدو كأنه انتُشل من الغرق، ومن زحف الإسمنت.
بعد جولة ساحرة وجدت نفسي في قناة بنما، فكل الطرق تقود إليها. معجزة القرن العشرين، ومسرح الجغرافيا السياسية، وفخر بنما الوطني. الوجهة: أهوسة “ميرافلوريس”، على بُعد نحو خمسة عشر كيلومترًا من وسط المدينة.
هناك، تستقبل منصة المراقبة الزوار كما لو كانوا في مسرح، حيث يدور عرض مائي ساحر تتحرك فيه سفن الحاويات العملاقة ببطء مذهل، تُقاد بالسنتيمتر عبر قاطرات كهربائية، وسط صمت يكاد يكون احتفاليًا.
وفي الداخل، يروي متحف صغير التاريخ الملحمي للقناة: من الحلم الفرنسي المأساوي إلى النجاح الأمريكي، ثم استعادة بنما سيادتها عام 1999. درسٌ مفتوح في الجغرافيا السياسية بين بوابتين مائيتين. وبعد الخروج، يصعب ألا يتذكر المرء كتابات بول ثيرو أو جوزيف كونراد، اللذين رأيا في هذا الشق الضيق من القارة أكثر من مجرد ممر بحري.
بعدها توجهت نحو حي “ماربيا” أو مرتفعات “سان فرانسيسكو”، حيث تمتد المدينة نحو السماء وتلعب مع الغيوم. ترتفع ناطحات السحاب كأنها طواطم حديثة متلاصقة، تسمح للضوء بالتسلل بين واجهاتها الزجاجية.
عند أقدامها أو فوق شرفاتها المعلقة، يعاد ابتكار المطبخ البنمي: حساء “سانكوتشو” بروح الوجبات العائلية، وأرز جوز الهند بلمسات معاصرة، وسيفيتشي نابض بنكهات البحر، كأنه عزف منفرد على آلة الماريمبا.
وفي بعض الأطباق، تُروى حكايات كاملة: بين الموز المقلي الذهبي و”التامال” الطري، تتداخل النكهات الإفريقية الكاريبية والإسبانية والأمريكية الأصلية والصينية. يهدأ الإيقاع، وتخفت الأصوات، بينما يضيع البصر في خطوط المدينة المشدودة نحو الأفق.
حين تبلغ الشمس ذروتها ويصبح الظل نادرًا، يدعو الوقت إلى البطء. في أزقة “كاسكو بييخو” الدافئة، تخفّ الخطوات وتنخفض الأصوات، ويثقل الهواء بنعاس استوائي لطيف.
تمتلئ الشرفات بضوء ذهبي سائل، حيث يأتي الناس هربًا من حرارة الظهيرة. داخل كأس كهرماني يذوب مكعب ثلج ببطء، أحيانًا مع مشروب “سيكو كون ليتشي”، وأحيانًا مع “تشيشيمي” المثلج، ذلك الشراب الكريمي المصنوع من الذرة والحليب والقرفة، بنعومة تهويدة استوائية.
يتنهد المكان، وتتحول الأحاديث إلى همسات، وكأن الزمن توقف للحظة. ليست قيلولة كاملة، ولا مجرد استراحة، بل لحظة ظل تنسجم مع إيقاع المدينة الكسول.
مدينة بنما أيضًا عاصمة استوائية لم تتخلَّ فيها الطبيعة يومًا عن سلطتها. بخطوات قليلة فقط، يمكن مغادرة الإسفلت والدخول إلى الظلال الخضراء لتل “سيرو أنكون”، المطل على المدينة.
الممر المخصص للمشاة يتلوى تحت قبة كثيفة من الأشجار، تفوح منها رائحة التراب الرطب، وترافقه أصوات القرود العوّاءة ونداءات الطيور الاستوائية. سرخسيات عملاقة، وأوركيد خجولة، وفراشات ملوّنة تحيط بالطريق.
وفي بعض الزوايا، ينام الكسلان بين الأغصان غير آبه بضجيج العالم. عند القمة، يرفرف العلم البنمي ضخمًا كإعلان استقلال في السماء.
وفي الأسفل، تذكّر ألوان “بيوموسيو” الذي صممه فرانك غيري بأن الإنسان أيضًا قادر على التحاور مع الطبيعة. هذا المتحف المعماري يحتفي بالتنوع البيولوجي الفريد لبنما، بوصفها جسرًا حيًا بين الأمريكتين.
بعدها نزلت ببطيء، يكاد يكون على مضض، نحو “أفينيدا بالبوا”، الشارع البحري الواسع حيث تصطف المدينة في مواجهة الأفق.
هنا ترتفع الأبراج كأنها ألسنة نار، وكل واجهة زجاجية تلتقط الغروب بطريقتها: نحاس، وعنبر، ولمعان خاطف. السماء تتلوّن بأطياف المرجان والمانغو، والضوء المائل يعيد رسم المدينة بنعومة شبه خيالية.
على الممشى البحري، يسير الناس ببطء كأنهم يضبطون أنفاسهم على إيقاع المحيط الهادئ. العداؤون يخففون سرعتهم، والمارة يتوقفون، بينما تنتظر السفن العملاقة دورها في صمت مهيب.
إنها الساعة الواقعة بين عالمين، حين تنفصل المدينة عن يومها كما تنفصل ثمرة ناضجة عن غصنها.
وعندما يحل الليل، لا تنطفئ مدينة بنما، بل تعيد اختراع نفسها. تضاء واجهات “كاسكو بييخو” بنور دافئ يحمل شيئًا من الحنين، بينما تتلألأ أبراج المركز المالي كمنارات للمستقبل.
بين هذين العالمين، تنبض الحياة: متاحف تفتح أبوابها حتى وقت متأخر، وصالات عرض سرية، وساحات تتحول فجأة إلى حفلات موسيقية أو رقصات مرتجلة أو أحاديث طويلة.
ومن بين هذه الفضاءات، يجذب متحف الفن المعاصر “MAC” عشاق التجوال الليلي، فيما تتوهج “كازا كاسكو” كمنارة هادئة فوق المدينة.
على الكورنيش، تخرج العائلات، ويركض الأطفال، بينما تداعب الرياح البحرية آخر بقايا الضوء. المدينة تهمس دون ضجيج، كأنها تعلمت أن تتحدث بخفوت حتى يُصغى إليها جيدًا.
هنا، لا شيء مستعجل. كل شيء يدعو إلى التسكع والتأمل، بين ماضٍ استعماري ودوار الحداثة، بين ذاكرة الحجارة ووعد الأبراج العالية.
مدينة بنما لا تُزار فقط، بل تُعاش، ثم تراقب الذين مرّوا بها للحظة وهم يغادرون، مبتسمة.
طبيعة بنما الآسرة
بين محيطين، تكشف بنما عن طبيعة آسرة، وجغرافيا غنية، وآفاق تتجدد بلا توقف. فرغم صغر مساحتها، تُعد هذه الدولة الواقعة في أمريكا الوسطى عالمًا متنوعًا يجمع بين سحر الأحياء الاستعمارية، وجرأة المدن المستقبلية، والغابات البكر، والشواطئ المرجانية، والجبال المغطاة بالضباب. إنها أرض عبور، لكنها أيضًا أرض تأمل واكتشاف، حيث يحمل كل ركن وكل جزيرة وعدًا بالجمال والمغامرة والانسجام.
أرخبيل سان بلاس: الوجوه المتعددة للفردوس
تنتشر جزر سان بلاس قبالة الساحل الكاريبي، ويطلق عليها سكانها اسم “غونا يالا”، أي “أرض الغونا”. ويتكون الأرخبيل من نحو 400 جزيرة صغيرة، لا يسكن سوى عدد محدود منها. تبدو هذه الجزر وكأنها عقد من اللؤلؤ يطفو بين السماء والبحر فوق مياه زرقاء تكاد تبدو غير حقيقية.
هنا يتباطأ الزمن، وتخفت الضوضاء، ويغدو الأفق اللامتناهي دعوة للاسترخاء والتأمل. يمكن استكشاف هذا الفردوس عبر القوارب الشراعية أو ألواح التجديف أو الكاياك، بين الرمال المغمورة بالمياه ونجمات البحر البرتقالية وأسماك الراي التي تنساب بصمت تحت السطح.
أما الغوص السطحي فيكشف عالمًا بحريًا أخاذًا: شعاب مرجانية متوهجة، وأسماك ملونة، وشقائق نعمان بحرية راقصة. لكن سان بلاس ليست مجرد بطاقة بريدية استوائية؛ فهي موطن شعب الغونا الأصلي، المعروف بتمسكه القوي بتقاليده ونمط حياته المتناغم مع الطبيعة.
وتعيش القرى المصنوعة من الخيزران وسعف النخيل على إيقاع الطقوس والغناء والصيد وصناعة أقمشة “المولا” المطرزة يدويًا، التي تمثل رموزًا وأساطير متوارثة. إن زيارة سان بلاس تعني استعادة متعة الصمت وبساطة الحياة وروح الأصالة النادرة.
بركان بارو: قمة الاحتمالات
في أقصى مقاطعة تشيريكي يرتفع بركان بارو، البركان النشط الوحيد في بنما، على ارتفاع 3474 مترًا، ليشكل أعلى نقطة في البلاد. ورغم أنه خامد منذ أكثر من قرن، فإنه يظل رمزًا لقوة الطبيعة وهيبتها.
تبدأ رحلة الصعود عادة قبل الفجر، وسط ظلام الجبال وبرودة الضباب، حيث تتلوى المسارات بين غابات الصنوبر الاستوائية المغطاة بالطحالب. وعند الوصول إلى القمة، يمكن في الأيام الصافية مشاهدة المحيط الهادئ والبحر الكاريبي في الوقت نفسه، في مشهد جغرافي نادر ومذهل.
ويستمتع عشاق المغامرة بركوب الدراجات الجبلية أو الخيل وسط الغابات الكثيفة ومزارع القهوة المنتشرة على السفوح. أما بلدة بوكيت الواقعة عند سفح البركان، فتُعد ملاذًا لعشاق الطبيعة، بما تضمه من شلالات وجسور معلقة وحدائق استوائية تزدهر فيها الأوركيد النادرة وطيور الكيتزال الأسطورية.
متنزه كويبا الوطني: الجزيرة السرية
جزيرة كويبا، التي كانت في الماضي سجنًا معزولًا وتحولت اليوم إلى جنة بيئية، تُعد من أكثر الأماكن نقاءً وعزلة في بنما. ويمكن الوصول إليها بالقارب من بلدة سانتا كاتالينا.
تضم الجزيرة، الأكبر في أمريكا الوسطى، تنوعًا بيولوجيًا استثنائيًا أدرجته اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي. وتكشف المياه الصافية المحيطة بها عن عالم بحري غني بالشعاب المرجانية والسلاحف البحرية وأسماك الراي والدلافين وأسماك القرش ذات الزعانف البيضاء، إضافة إلى الحيتان الحدباء خلال مواسم هجرتها.
أما داخل الجزيرة، فتنتشر الغابات الاستوائية التي تعيش فيها القرود والكسلان والتابير والببغاوات الحمراء، بينما تقود المسارات إلى شواطئ معزولة ومشاهد طبيعية تبدو وكأنها خارج الزمن.
وادي أنطون: الحديقة المعلقة
يقع وادي أنطون داخل فوهة بركان قديم، ويشكل ملاذًا هادئًا بعيدًا عن رطوبة بنما المدارية. وتمنح المرتفعات مناخًا لطيفًا وطبيعة مريحة تزينها الغابات الخضراء والتلال الناعمة.
تمر المسارات بين غابات الخيزران والشلالات مثل شلال “إل ماتشو”، كما تقود إلى نقوش صخرية تعود لحضارات ما قبل كولومبوس. ويُعد مسار “المرأة النائمة” من أشهر طرق المشي الهادئة وسط الضباب وأصوات الطيور.
كما يضم الوادي محمية “سيرو غايتال” البيئية، حيث تعيش طيور الطوقان والضفادع الذهبية والكسلان بين الأوركيد البرية. وفي سوق القرية، تُعرض الفواكه الاستوائية والزهور والحرف اليدوية والخزف والمنحوتات الخشبية، في تجربة تعكس روح الريف البنمي.
بوكاس ديل تورو: زرقة البحر وهمسات الاستوائيات
في غرب بنما، يطفو أرخبيل بوكاس ديل تورو وسط بحيرات زمردية وشواطئ تحيط بها الغابات الاستوائية. ويتكون الأرخبيل من عشرات الجزر التي تنبض بأجواء استرخاء استوائية ساحرة.
يمكن استكشاف المياه الفيروزية عبر الكاياك أو التجديف بين غابات المانغروف، حيث تظهر الدلافين أحيانًا قرب القوارب. كما يكشف الغوص السطحي في مناطق مثل “كايو كورال” و”هوسبيتال بوينت” عن عالم بحري غني بأحصنة البحر وأسماك الببغاء ونجمات البحر.
أما شواطئ “بلاف بيتش” و”ريد فروغ بيتش”، فتجذب عشاق ركوب الأمواج بمناظرها البرية وأمواجها القوية.
وفي جزيرة “إيسلا كولون”، تسير الحياة ببطء على إيقاع المد والجزر، حيث تقود الدراجات إلى خلجان مخفية ومطاعم معلقة فوق الماء. أما جزيرة “باستيمينتوس”، فتتميز بقرى أفرو-كاريبية ومسارات تمر وسط الغابات الكثيفة.
في بوكاس ديل تورو، يصبح الزمن أكثر نعومة، وتمتد الأمسيات تحت النجوم في أجواء نادرة الصفاء.
في بنما، لا يشعر المسافر أنه يزور بلدًا فقط، بل يعبر جسرًا حيًا بين عوالم متعددة؛ بين الحداثة والغابة، بين الأبراج والضباب، بين صخب المال وهدوء الطبيعة. هنا، تبدو القارة الأمريكية وكأنها تنضغط في مساحة صغيرة تختصر تناقضاتها وجمالها في آنٍ واحد. فمن قناةٍ غيّرت جغرافيا العالم، إلى جزرٍ تبدو معلقة خارج الزمن، ومن أحياء استعمارية تنبض بالموسيقى، إلى غاباتٍ ما تزال تحتفظ بأسرارها الأولى، تكشف بنما عن وجه مختلف لأمريكا الوسطى؛ وجه أكثر إنسانية، وأكثر هدوءًا، وأكثر صدقًا.
وربما لهذا السبب تحديدًا، تبقى بنما واحدة من تلك الأماكن التي لا تُنسى بسهولة، لأنها لا تكتفي بإبهار العين، بل تترك أثرًا عميقًا في الروح. وكأنها تؤكد مقولة الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو: «الطبيعة لا تخدعنا أبدًا، نحن الذين نخدع أنفسنا». وفي بنما، حيث تتجاور الغابات مع المحيطات، والإنسان مع التنوع الهائل للحياة، يدرك الزائر أن أجمل الرحلات ليست تلك التي تغيّر المكان فقط، بل تلك التي تغيّر نظرتنا إلى العالم.

