تُعدّ بوليفيا الدولة الأنديزية الوحيدة التي لا منفذ لها على البحر، لكنها، خلافًا للاعتقاد الشائع، لا تقتصر فقط على هضبة الألتيبلانو وجبالها. بل على العكس تمامًا، فمساحتها، التي تعادل ضعف مساحة فرنسا تقريبًا (1.1 مليون كيلومتر مربع)، تنحدر شرقًا عبر وديان معتدلة ثم حارة، لتنتهي في السهول الشاسعة للأمازون (في الشمال)، والبانتانال (في الوسط)، وتشاكّو (في الجنوب).
إن اكتشاف بوليفيا يعني استكشاف أفضل ما في هذه البيئات المتنوعة، من صور ومشاعر متباينة. بعيدًا عن السياحة الجماعية، لا تزال البلاد، الجذابة بطبيعتها، محافظة على أصالتها بشكل كبير، وأكثر ارتباطًا بجذورها مقارنة بجيرانها. كما أن السكان من أصول أمريكية أصلية يشكّلون الغالبية هنا.
ومن أبرز ملامحها: مدن فوضوية تخفي كنوزًا استعمارية باروكية بطابعٍ هجين، وأسواق نابضة بالحياة تعجّ بالفوضى المنظمة، وآثار ما قبل كولومبية، وفوق كل ذلك مساحات شاسعة ومناظر طبيعية مدهشة — براكين مكللة بالثلوج يتجاوز ارتفاعها 6000 متر، وصحاري ملحية، وبحيرات مرتفعة حمراء تجذب طيور الفلامنغو، وسهول عشبية تنتشر فيها أشجار النخيل، وغابات استوائية كثيفة يصعب اختراقها.
هذه هي بوليفيا بكل ملامحها، دون أن ننسى أعلى عاصمة في العالم، وبحيرة تيتيكاكا، وحيوانات الفيكونيا واللاما.
لاباز، أعلى عاصمة في العالم
يقع مطار إل ألتو، الذي يحمل اسمًا على مسمى، على حافة هضبة الألتيبلانو على ارتفاع 4050 مترًا. إنها صدمة حقيقية لحظة النزول من الطائرة، تنطلق الحافلة الصغيرة وسط حركة مرور فوضوية، لتنحدر نحو الوادي حيث تأسست مدينة لاباز في القرن السادس عشر.
لا تشبه عاصمة بوليفيا مدينة مثالية جذابة؛ فهي أشبه بقمعٍ محصور بين قمم مغطاة بالثلوج من سلسلة كورديليرا ريال، وتنتشر على سفوحها مبانٍ من الطوب غير المكتمل، تعلوها شبكة من التلفريكات. وهي وسيلة عملية لعبور هذا المشهد الفوضوي من الأعلى.
يتمحور المركز التاريخي أساسًا حول ساحتين. من جهة، تقع ساحة سان فرانسيسكو مع كنيستها التي ترتفع وسط عوادم السيارات، كاشفة عن واجهة باروكية مدهشة ذات طابع هجين، حيث تتجاور الملائكة وحوريات البحر و«باشاماما» (الأرض الأم) وماضغو أوراق الكوكا. خلفها، تتسلق الشوارع المرصوفة المنحدر، حيث تنتشر النُزُل الرخيصة والمقاهي والمطاعم والمتاجر. وتتجاور عدة أسواق فوق بعضها: حلاقون هنا، صانعو أحذية هناك، السوق السوداء، منتجات صوفية، ثم في الأعلى «سوق الساحرات» حيث تُعرض أجنة اللاما المجففة.
على الجانب الآخر من الشارع، تجمع ساحة موريو المهيبة بين الكاتدرائية والقصر الرئاسي ومبنى الكونغرس. أما البطاقة البريدية الحقيقية للمدينة فهي شارع خاين، بواجهاته الملونة كقوس قزح، حيث يضم خمسة متاحف صغيرة. وأهم متحفين وطنيين ليسا بعيدين: متحف الفن من جهة، ومتحف الإثنوغرافيا والفولكلور من جهة أخرى. أما يوم الأحد، فيتوجه الزوار إلى إل ألتو لحضور عرض غير عادي: مصارعة «التشوليتاس» (النساء الذين يرتدين الأزياء التقليدية).
بحيرة تيتيكاكا وجزيرة الشمس، مهد عالم الإنكا
ليس من المؤكد أننا سنحتاج الى ملابس السباحة، فعلى الرغم من مساحتها الشاسعة (8300 كلم²)، وعلى ارتفاع 3810 أمتار، لا تُعدّ بحيرة تيتيكاكا وجهة شاطئية بالمعنى التقليدي. تتقاسمها بوليفيا مع جارتها بيرو، حيث تكتفي بوليفيا بالجزء الشرقي الأصغر، الممتد بين «لاغو غراندي» و«لاغو تشيكو»، اللذين يكادان ينفصلان بفعل شبه جزر صخرية ضخمة.
هناك، وعلى بعد ثلاث ساعات ونصف شمال شرق لاباز، تقع بلدة كوباكابانا. وليس شاطئ ريو دي جانيرو هو من منحها اسمها، بل العكس تمامًا! فهذه البلدة الكبيرة تُعدّ المزار الرئيسي لعذراء كوباكابانا، شفيعة بوليفيا، التي ذاع صيتها كصانعة للمعجزات. ونتيجة لذلك، يفد إليها الناس من مختلف أنحاء البلاد وخارجها للصلاة في كنيستها البيضاء الكبيرة، وكذلك لتعميد كل ما يسير على عجلات: سيارات، سيارات أجرة، شاحنات، دراجات نارية… الجميع يمر من هناك.
وعادةً ما يصعد الزوار بعد ذلك (حوالي 40 دقيقة) إلى «كالفاريو»، أو جبل سان كريستوبال، وهو تل مخروطي يطل على بحيرة تيتيكاكا، حيث يمارس السحرة والمعالجون طقوسهم عبر التعاويذ والعبارات السحرية ورشّ الجعة. أما الرحالة، فيستغلون الفرصة للاستمتاع بأحد أشهر المناظر البانورامية في بوليفيا.
وفي صباح أحد الأيام، ركبت القارب نحو «جزيرة الشمس»: رحلة تستغرق ساعة ونصف للوصول إلى هذه الأرض القاحلة الأسطورية، حيث تقول الأساطير إن ابن الشمس وابنته — مؤسسي مدينة كوسكو — وُلدوا هناك.
سالار أويوني وجنوب ليبيز: روائع الألتيبلانو
نحو الجنوب. بعد ليلة كاملة في الحافلة انطلاقًا من لاباز (540 كم)، تظهر بلدة أويوني الصغيرة المغبرة وسط هضبة الألتيبلانو القاحلة، مع متحفها الذي يشبه المستودع ومقبرتها الشهيرة للقاطرات الصدئة والمغطاة بالرسوم. تقضي فيها ليلة باردة، ريثما تُنظم رحلتك نحو أكبر بحيرة ملحية في العالم (10,580 كلم²) الممتدة عند أبوابها: سالار أويوني، الذي يقع على ارتفاع 3650 مترًا.
ومن بين جميع المناظر الطبيعية في بوليفيا، لا شيء يضاهيه. أمامك بساط أبيض هائل يمتد بلا نهاية، يتشقق تحت العجلات كما تحت الأقدام. ويضغط السائقون على دواسة السرعة حتى 120–130 كم/ساعة.
على سطح الملح، تظهر في بعض الأماكن أشكال غريبة تتكرر إلى ما لا نهاية، غالبًا ما تكون سداسية تقريبًا، تشكّلت بفعل تبخر المياه بعد أمطار يناير وفبراير. ومن حين لآخر، تبرز بعض الجزر، أبرزها جزيرة إنكاهواسي الشهيرة، المليئة بصبار عملاق.
وعلى أطراف السالار، تنتشر قرى بسيطة تضم فنادق صغيرة، غالبًا ما تكون جماعية، مبنية بالكامل من الطوب الملحي، حتى الجدران والأثاث (باستثناء الحمام!).
وتتجول هناك حيوانات الفيكونيا دون خوف كبير، إلى جانب قطعان اللاما. وفي الأعلى، ترتفع البراكين، وعلى رأسها بركان تونوبا في الشمال. وبالقرب، توجد كهوف وتجاويف صخرية تحتضن أنواعًا مختلفة من «تشولباس» (مومياوات).
وبعد مغادرة السالار، تتجه الرحلات الأطول نحو جنوب ليبيز عبر طرق وعرة: منطقة برية للغاية، محمية جزئيًا داخل متنزه إدواردو أفاروا الوطني. ومن أبرز معالمها: بحيرات مرتفعة (حمراء هنا، وخضراء هناك) تعيش فيها طيور الفلامنغو، وينابيع بخارية، و«شجرة حجرية»، ومياه حرارية يمكن الاستحمام فيها. تجربة رائعة بكل معنى الكلمة.
بالقطار نحو توبيزا، واحة الجنوب البعيد
عند الساعة السادسة صباحًا، أخدت القطار. أو بالأحرى «الفيروباص». هذا القطار الصغير الذي حلّ محل القاطرات التقليدية وعرباتها التابعة لشركة Ferroviaria Andina منذ الجائحة، لا يزال يربط كل يوم ثلاثاء بين أويوني وتوبيزا، ثم إلى الحدود الأرجنتينية عند فيّاثون. إنها رحلة مميزة، أشبه بقفزة عبر الزمن، تتمايل على إيقاع الاهتزاز والتأرجح.
بعد خطوط مستقيمة طويلة في البداية والتوقف في محطة أتوچا، تبدأ المنحنيات. وبعد حوالي خمس ساعات من الانطلاق، تدخل السكة الضيقة بين جدران من الصخور الحمراء المائلة إلى اللون القرمزي، المتشققة، والتي تعلو مياه نهر توبيزا العكرة، عندما لا يكون جافًا تمامًا.
ثم، فجأة، تنفتح هذه الصخور لتكشف عن بلدة-واحة. تقع توبيزا داخل حوض جبلي، على ارتفاع 2850 مترًا، وعلى بعد 200 كم جنوب شرق أويوني، وتحيط بها مناظر طبيعية تذكّر إلى حد كبير بغرب الولايات المتحدة: مساحات شبه صحراوية، أخاديد ووديان، وتكوينات صخرية حمراء جدًا في “وادي الرجال” (Valle de los Machos) المليء بصبار عملاق.
وتزداد هذه الصورة واقعية عندما نعلم أن الخارجَين عن القانون الشهيرين بوتش كاسيدي ورفيقه ساندانس كيد مرّا من هنا في نهاية مغامرتهما في أمريكا الجنوبية، بين عامي 1907 و1908، بل إن أحدهما منح اسمه لنُزل محلي معروف.
ولتتبع خطاهما، لا شيء أفضل من جولة طويلة على ظهر الخيل. أو رحلة أقل غبارًا قليلًا إلى «إل سيلار»، حيث يمتد مشهد بانورامي مذهل على وادي نهر توبيزا وسلاسله الصخرية الرملية التي نحتها التعرية بشكل مذهل، مكوّنة أعمدة وأشكالًا متدفقة من الصخور، هنا رمادية أو بنية، وهناك تميل إلى الأحمر القاني.
مدينة تاريخا: بين الكروم وطيور الكوندور
نعم بالفعل، هناك نبيذ في بوليفيا! فقد زُرعت الكروم هنا منذ القرن السادس عشر، مع وصول الغزاة الإسبان، إذ كان لا بد من توفير نبيذ للطقوس الدينية.
تقع مدينة تاريخا، العاصمة الإقليمية ومركز صناعة النبيذ في البلاد، على بعد أربع ساعات ونصف شرق توبيزا، ويبلغ عدد سكانها نحو 250 ألف نسمة. وتُلقّب بلطف بـ«الأندلس الصغيرة»، وتُعد محطة ممتعة للزيارة.
على ارتفاع 1900 متر، تكون أمسياتها لطيفة على ضفاف نهر غوادالكيفير، وتحت أشجار النخيل في ساحة لويس دي فوينتيس الجميلة، التي تتوسطها مظلة أنيقة من الحديد المشغول. وتُضفي الكاتدرائية القريبة طابعًا مميزًا بزخارفها من عناقيد العنب والكروم التي تزيّن المذابح والأثاث، بينما تعكس «كاسا دورادو» مظاهر الرفاه لعائلة محلية ثرية في بدايات القرن العشرين.
إلى الجنوب من تاريخا، وفي مشهد جاف، تمتد «طريق النبيذ». تقع الكروم على ارتفاع يتراوح بين 1600 و2200 متر، وتُعد من بين الأعلى في العالم، إلى جانب كروم كولومي في الأرجنتين. تنتشر على مساحات واسعة مزروعة بأصناف مثل: مالبيك، وكابيرنيه فران، وكابيرنيه شوفينيون، وتانات، وميرلو، وسيراه، وغيرها، وبعضها زُرع حديثًا لتحسين جودة الإنتاج.
وقد فتحت بعض مصانع النبيذ أبوابها للزوار، مثل «كامبوس دي سولانا»، و«أرانخويث»، و«كولبرغ»، و«دون خوليو»، التي تميل إلى الطابع العصري. وكذلك «كاسا ريال»، المنتج الأول لمشروب «سينغاني» البوليفي (وهو نوع من العرق يحمل تسمية المنشأ)، ويشبه إلى حد ما مشروب البيسكو البيروفي (بإنتاج يصل إلى 5 ملايين لتر سنويًا). أما «كاسا بييخا»، المبنية منذ أكثر من 400 عام من الطوب الطيني، فتمثل روح التقاليد، بساحاتها ذات الأقواس وعرائش العنب.
بوتوسي: مدينة منجمية ضمن التراث العالمي
تتفوّق بوتوسي حتى على لاباز وإل ألتو، فهي تقع على ارتفاع يقارب 4090 مترًا، على جزء مرتفع وقاحل من هضبة الألتيبلانو، على بعد 530 كم جنوب شرق لاباز، وتُعد أعلى مدينة في العالم يزيد عدد سكانها عن 200 ألف نسمة. ولا داعي للقول إن الطقس فيها شديد البرودة خلال الشتاء الجنوبي.
فلماذا اختير هذا الموقع القاسي للاستقرار؟ الجواب: بسبب الثروة. إذ تقول الأسطورة إن راعيًا من السكان الأصليين اكتشف عروق الفضة في «سيرو ريكو» (الجبل الغني) عندما أشعل نارًا هناك، ليجد في الصباح خيوطًا فضية متلألئة.
وبعد جيل واحد فقط، بلغت استخراجات المعادن ذروتها، حيث كانت تُزوّد الخزائن الإسبانية بنحو 240 طنًا سنويًا من الفضة، مما ساهم في جعل إسبانيا أغنى وأقوى مملكة في أوروبا آنذاك. لكن الثمن كان باهظًا، إذ مات مئات الآلاف من العمال، من السكان الأصليين ثم من العبيد الأفارقة، في تلك المناجم.
كان المعدن يُصهَر ويُسكّ في قلب بوتوسي، داخل “دار السك الوطنية” (Casa Nacional de Moneda)، التي كانت تضم 11 ورشة (10 للفضة وواحدة للذهب). ولا تزال آلات الدرفلة الضخمة من القرن الثامن عشر موجودة حتى اليوم، إلى جانب مجموعات فنية رائعة.
وفي أنحاء المدينة، تبرز الكنائس بواجهات باروكية مذهلة ذات طابع هجين، تجمع بين الرموز المسيحية وما قبل الكولومبية (القمر، الشمس، السكان الأصليون، عازفو الشارانغو، وغيرها)، مثل: سان لورينثو دي كارّانغاس، ولا ميرسيد، ولا كومبانيا دي خيسوس، وسان أوغستين، وسان برناردو.
أما من الداخل، فلا تقل روعة، حيث تتزين بأسقف خشبية على طراز الموديخار ومنابر فخمة. كما يمكن زيارة ديرين: سانتا تيريزا، بنوافذه الزرقاء اللافتة، وسان فرانسيسكو، الذي يوفر من أعلاه إطلالة مذهلة على أسطح المدينة القديمة ذات القرميد الأحمر. وفي الأفق، يبرز «سيرو ريكو» بمناجمه التي لا تزال نشطة (وبعضها مفتوح للزيارة).
سوكرِه: أجمل مدينة استعمارية في بوليفيا
هربًا من برد بوتوسي القارس، انتقلت الطبقة الراقية إلى مدينة سوكرِه، الواقعة في إحدى الوديان الوسطى على بعد 155 كم شمال شرقًا (حوالي 3 ساعات بالسيارة). وعلى ارتفاع أكثر اعتدالًا (2750 مترًا)، تكشف سوكرِه عن نفسها كأجمل مدينة استعمارية في بوليفيا، وقد أُدرجت لهذا السبب ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
تبدأ الزيارة من ساحة «25 مايو». هذه الساحة الواسعة، المليئة بالأشجار العالية والنوافير والتماثيل والمقاعد، تُعد القلب النابض للمدينة. وتوجد فيها الكاتدرائية (من القرنين السادس عشر والسابع عشر)، التي تجمع بين الطرازين النهضوي والباروكي، وتضم كنيسة صغيرة تحتضن تمثالًا شهيرًا لعذراء غوادالوبي، مزينًا بالذهب والفضة والأحجار الكريمة.
أما “بيت الحرية” (Casa de la Libertad) ، فيعيد الزائر إلى زمن البطولات، حيث أُعلن استقلال بوليفيا فيه عام 1825، قبل أن يصبح مقرًا للبرلمان، مما جعل سوكرِه العاصمة الدستورية للبلاد. ويضم المكان سيوف قادة عسكريين وصور رؤساء.
وعلى بعد خطوات، تقع كلية الحقوق في الجامعة، وهي ثاني أقدم مؤسسة تعليمية في القارة (تأسست عام 1624)، وتتميز بساحة داخلية كبيرة محاطة بأروقة مقوسة. وفي أنحاء المدينة، تنتشر الكنائس بكثرة: كنيسة سان ميغيل وسان فرانسيسكو دي أسيس بأسقفهما المذهلة على طراز الموديخار، وكنيسة سانتا مونيكا بواجهتها البيضاء ذات الطابع الباروكي الهجين. كما يضم دير سانتا كلارا (1630) مجموعة من الراهبات اللواتي ما زلن يقمن بصناعة البسكويت حتى اليوم.
منتزه تورو تورو الوطني: على خطى الديناصورات
تُعد كوتشابامبا بوابة الوصول إلى تورو تورو، وتمتد في أحد الوديان الوسطى ذات المناخ شبه الاستوائي، تحت أنظار تمثال مسيح ضخم يبلغ ارتفاعه 34.20 مترًا (أعلى حتى من تمثال ريو دي جانيرو في البرازيل).
ومن أبرز معالمها الغريبة (أو المبالغ فيها): قصر «بالاسيو بورتاليس»، الذي بُني بين 1915 و1927 لملك القصدير في بوليفيا، ويجمع بين مظاهر الفخامة المفرطة. وربما أيضًا سوق «لا كانشا»، الأكبر في البلاد، حيث تتجاور مئات المهن: من بائعي أوراق الكوكا أو المعكرونة، إلى الإسكافيين، مرورًا بمحلات أحواض السمك وحتى الباعة الذين يروجون للوصفات الشعبية الغامضة.
من هناك، يتجه الطريق جنوبًا عبر مناظر طبيعية مدهشة بألوان تتدرج بين البني والأحمر والبنفسجي وحتى الأخضر. وفي نهايته، تظهر تورو تورو، وهي قرية كبيرة نسبيًا تقع في قلب منتزه وطني فريد (مساحته 166 كلم²).
فما الذي يميّزه؟ هل هو الوادي العميق؟ أم طيور الكوندور؟ أو الببغاوات النادرة ذات الجبهة الحمراء؟ لا! ما يجعل تورو تورو فريدًا حقًا هو العدد الهائل من آثار أقدام الديناصورات المكتشفة فيه: أكثر من 11,000 أثر، تعود إلى أنواع متعددة مثل: التيرانوصور، والأنكيلوصور، والتيتانوصور.
ونتيجة لذلك، امتلأت القرية بمجسمات ديناصورات عملاقة من الجبس والخرسانة، تظهر على واجهات الفنادق، وحتى في الملهى الليلي ومبنى البلدية.
ومن القرية، لا بد من الاستعانة بمرشد محلي لاستكشاف المنتزه. يمكن حينها الوصول إلى أعماق وادي «إل فيرغيل»، حيث تتدفق شلالات رفيعة نحو واحات خضراء، وكذلك إلى متاهة الكهوف المقوسة في «مدينة إيتاس»، ذات الصخور الملونة.
أما كهف «أوماخالانتا»، فهو الأكثر إثارة، إذ لم يتم تهيئته للسياحة بعد، ويُدخَل إليه كما يفعل مستكشفو الكهوف، حيث يتطلب الأمر أحيانًا الزحف أو التمسك بالحبال.
البعثات اليسوعية في تشيكيتانيا
ليست منطقة تشيكيتانيا سهلة الاستكشاف، فهي تقع شرق سانتا كروز دي لا سييرا، العاصمة الاقتصادية لبوليفيا ومنطقة الأراضي الحارة في الشرق، لكنها تعيد الزائر إلى عالمٍ منسي.
تبدأ القصة في القرن السادس عشر، في البرازيل وشمال الأرجنتين الحالية. جاء اليسوعيون من أوروبا وتوغلوا في الغابات الاستوائية لنشر المسيحية بين السكان الأصليين. لكن كيف يمكن التواصل معهم؟ اختاروا الموسيقى وسيلة لذلك. فكان الكمان والألحان الباروكية الكبرى ترافق منذ البداية تعليم العقيدة. وفي «الريدكسيونات» — وهي مجتمعات شبه مستقلة أقيمت بعيدًا عن الأراضي الملكية — كانت كلمة الله بمثابة قانون، بينما عاش السكان الأصليون بحرية، بعيدًا عن العبودية على الأقل.
تدريجيًا، نشأت شبكة واسعة من البعثات، رغم تعرضها لهجمات من الجيوش الاستعمارية وتجار العبيد. في بوليفيا، تأسست بعثة سان فرانسيسكو خافيير عام 1692، وتبعتها تسع بعثات أخرى. وسرعان ما أصبح ثلثا سكان المنطقة يقيمون فيها. لكن في عام 1767، انهار كل شيء، إذ طُرد اليسوعيون من أمريكا بسبب نفوذهم المتزايد.
تم تدمير أو هجر معظم هذه البعثات، لكن تلك الموجودة في بوليفيا نجت. ففي أنحاء تشيكيتانيا، لا تزال الكنائس قائمة، وقد أُدرجت ست منها ضمن قائمة التراث العالمي، في: سان خوسيه دي تشيكيتوس، سان رافائيل، سان ميغيل، كونسبسيون، سان فرانسيسكو خافيير، وسانتا آنا دي فيلاسكو. ويعود تاريخ معظمها إلى أوائل خمسينيات القرن الثامن عشر، وتتميز بوجود رواق واسع أمامها.
تُعد هذه الكنائس فريدة من نوعها، وقد رُممت بعناية، واستعادت جدارياتها، ونقوشها الحجرية والخشبية، وتماثيل الملائكة العازفين، وأعمدتها الحلزونية. والأجمل من ذلك أن التقاليد الموسيقية ما تزال حية، إذ يُقام في شهري أبريل ومايو من السنوات الزوجية مهرجان دولي مرموق لموسيقى عصر النهضة والباروك في أمريكا اللاتينية.
منتزه ماديدي الوطني، في أدغال الأمازون
تُعد بوليفيا أيضًا أرض الأمازون. فهناك ما يقارب 300 ألف كيلومتر مربع من الغابات الاستوائية الرطبة، تغطي نحو ربع مساحة البلاد. إنها منطقة تتلقى ما يصل إلى 6 أمتار من الأمطار سنويًا، ما يجعل طرقها الترابية القليلة غير صالحة غالبًا، ولا تتبقى سوى الطائرة والقوارب كوسيلتي تنقل فعالتين.
على بعد 14 ساعة من الطريق الوعر من لاباز، أو 40 دقيقة بالطائرة، تُعد روريناباكي البوابة المفضلة إلى الأمازون البوليفي، وخاصة إلى منتزه ماديدي الوطني، الذي يمتد على مساحة 19,000 كلم²، ويجمع بين جبال تنحدر من قمم الأنديز الباردة إلى سهول منخفضة تغمرها غابات كثيفة بأشجار عملاقة أشبه بالكاتدرائيات. هذا التنوع الهائل في الارتفاعات يمنحه واحدة من أغنى مستويات التنوع البيولوجي في العالم.
تستند مدينة روريناباكي، الهادئة والحارة والرطبة، إلى منعطف من نهر بني، أحد أوسع أنهار البلاد، والذي يصب في نهاية المطاف في نهر الأمازون. ومن هناك، يصبح النهر متعرجًا، مليئًا بالقنوات المائية الحية والميتة. الأرض هنا منخفضة جدًا لدرجة أن مجرى النهر تغيّر مرات عديدة، ولا يزال يتغير حتى اليوم.
يتم ركوب زورق بمحرك، وبعد ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات من الإبحار، يظهر رصيف صغير يخرج من وسط الغطاء النباتي الكثيف، متصل بمسار ضيق يمر بين أشجار الماهوغاني والساج والليانات السامة. وفي نهايته، يختبئ نُزل بسيط في الغابة.
يقيم الزائر هناك ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا، بحثًا عن سكان هذه الغابات. يمكن مشاهدة القرود والسلاحف بسهولة نسبيًا، وكذلك الطيور مثل الببغاوات والـ«أرا» وطائر الهواتزين الغريب ذو الرأس الأزرق والعرف المميز. كما يمكن رؤية التماسيح، وأحيانًا حيوانات التابير والكابيبارا التي تشبه الهامستر العملاق. أما نمر الجاكوار، فهو الأكثر ندرة وصعوبة في الرؤية.
نهاية الرحلة
في نهاية هذه الرحلة الطويلة عبر بوليفيا، لا يبدو أننا أمام بلدٍ واحد بقدر ما نحن أمام عوالم متجاورة تتنفس في جسدٍ واحد: من قمم الألتيبلانو القاسية إلى عمق الأمازون الرطب، ومن مدنٍ استعماريةٍ تلمع بذاكرة التاريخ إلى أسواقٍ صاخبةٍ تعكس نبض الحياة اليومية، ومن صحاري ملحية لا تنتهي إلى غاباتٍ تختبئ فيها أسرار الطبيعة الأولى.
بوليفيا ليست مجرد وجهة على الخريطة، بل تجربة حسّية كاملة تُربك الحواس وتعيد تعريف معنى التنوع. فيها يلتقي الصمت المهيب لبحيرة تيتيكاكا مع صخب لاباز المعلّقة بين الجبال، وتجاور آثار الديناصورات في تورو تورو ذاكرة الإنسان الاستعمارية في بوتوسي وسوكره، كما تمتد طرقها بين أساطير الإنكا وأحلام اليسوعيين وموسيقى الغابات البعيدة.
إنها بلاد تُذكّرنا بأن الجغرافيا ليست حدودًا، بل احتمالات. وكل من يغادرها لا يغادرها فعليًا، بل يحمل معه شيئًا من غبارها الأبيض، ومن صفاء سمائها المرتفع، ومن دهشة اكتشافها الدائم.
وكما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، وهي عبارة تبدو وكأنها كُتبت لتصف هذا الامتداد المدهش من الأرض، حيث تتجاور الحياة في أقصى تنوعها، وتثبت بوليفيا أن الجمال قد يكون في أقصى درجاته حين يكون في أقصى تنوعه.

