لم تكن هناك أيّ رحلة جوية مباشرة إلى جامايكا سواء من المغرب أو من الدول الأوروبية الناطقة بالفرنسية. وكان الخيار الأسهل — والأرخص غالبًا — أن أمرّ عبر الولايات المتحدة مع إحدى شركات الطيران الأمريكية.
وكان هناك خيار آخر أيضًا: الوصول إلى كينغستون انطلاقًا من جزيرة سان مارتن الفرنسية-الهولندية عبر الرحلة التي تُسيّرها Caribbean Airlines مرتين أسبوعيًا، وكان هو الخيار الذي اخترته.
ترينش تاون، حيّ بوب مارلي – كينغستون
كانت كينغستون، بوتقة جامايكا الحديثة، لكنها لم تكن مدينة جميلة في نظري. بدت قبيحة بشكل مريع، ممتدة على مدى كيلومترات بين واجهة بحرية بائسة والحزام الساحر لـ الجبال الزرقاء. ورغم أن تخطيطها يبدو مستقيمًا ومنظمًا، فإن شوارعها كانت قذرة، والأسلاك الشائكة تتشابك فوق جدران عدائية. وقد غنى بوب مارلي «Concrete Jungle» ليصف هذه الخلية البشرية وذلك الحي الفقير الذي نشأ فيه: ترينش تاون.
وعلى هذه الأراضي، التي هجرها مزارع أيرلندي في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت رحلتي، في مجتمع السكان المهاجرين من الأرياف الذين جاؤوا يبحثون عن شيء من الأمل في المدينة. كانت ترينش تاون في البداية حيًا عشوائيًا، ثم تحولت إلى مجمع سكني اجتماعي بإيجار 12 شلنًا في الشهر، قبل أن تصبح بؤرة قاسية خلال معارك الشوارع التي اندلعت بين حزب الشعب الوطني وحزب العمال الجامايكي بعد الاستقلال مباشرة.
وتقول الأغنية: “هل يمكن أن يخرج شيء جيد من ترينش تاون؟”. في الستينيات، اجتاحت الحي موسيقى السكا، ثم الروكستيدي، ثم الريغي، وأنجبت عددًا هائلًا من الموسيقيين الذين كانوا جميعًا يكافحون للبقاء. وقليل منهم فقط تمكنوا من مغادرته.
وبعد نصف قرن، رسمت النوافذ الخشبية المتهالكة على الجدران المتداعية، وهياكل السيارات، ومدخنو الغليون الشاردون، وعمليات إطلاق النار بين العصابات، صورة حزينة للمكان.
وحول Culture Yard وهو المنزل الذي عاش فيه بوب مارلي مع والدته عند قدومه من شمال الجزيرة، امتزجت قوة التضامن بروح الاستسلام. هناك رأيت حطام الحافلة الصغيرة التي استُخدمت في جولاته الأولى، وسريرًا، ومطبخًا بدائيًا، وفي واجهة زجاجية غيتاره Trench Town Rock.
جامايكا – كينغستون – متحف بوب مارلي
قلّة هم الذين يجرؤون اليوم على المغامرة في ترينش تاون فهو حي خطير جدًا، وبالرغم من ذلك زرتُ 220 شارع ماركوس غارفي، غرب وسط المدينة، حيث يقع المستودع الأصفر الكبير لـ استوديو Tuff Gong International، شركة الإنتاج التي أسسها بوب مارلي بنفسه عام 1970 ليتحرر من مطالب المنتجين وجشعهم، وما زالت المطابع القديمة هناك تضخ أسطوانات الفينيل المعروضة للبيع، وسط أجواء مصنع حقيقية وأصيلة.
وقد أصبح هذا الاستوديو واحدًا من أهم الاستوديوهات في منطقة الكاريبي، إذ يستقبل نجومًا عالميين وفرقًا شابة على حد سواء، وبالسعر المنخفض نفسه الذي أراده بوب. وكان Pierpoljak من رواده الدائمين، كما شهدت هذه الجدران مرور ألفا بلوندي، ويوسّو ندور، وسينيد أوكونور، وسنوب دوغ، وبالطبع زيغي مارلي وفرقته Melody Makers (ولا يزال المكان مملوكًا للعائلة).
وكانت المحطة الثانية في جولتي هي منزل ومتحف بوب مارلي، الذي اشتراه عام 1973، ويقع على جانب شارع Hope Road الكبير. ومن حوله، كانت الجدران مغطاة بالرسومات الجدارية. هناك رأيت صورة ماركوس غارفي، أول منظّر جامايكي لتحرير السود، يرافق بوب بابتسامته الأبدية، وإلى جانبه أيقونة هيلا سيلاسي، إمبراطور إثيوبيا الذي قدّسه أتباع الراستافاري رغمًا عنه.
وخلف موقف السيارات، كان مدخنو الغانجا يسحبون أنفاسهم تخليدًا لذكراه. أما في الداخل؟ فقد وجدتُ استوديو صغير، وسلسلة من الغرف الفارغة المكسوّة بقصاصات الصحف، وأسطوانات ذهبية وبلاتينية، وبعض الأزياء، وغرفة بوب مارلي نفسه، مع قبعته الراستافارية محفوظة تحت غطاء زجاجي. وبدا المكان كله مشروعًا تجاريًا ناجحًا بسعر 25 دولارًا أمريكيًا للشخص الواحد.
الجبال الزرقاء… طريق القهوة
فوق فوضى المدينة المنخفضة، كانت الأحياء الراقية في كينغستون ترتفع على السفوح الدنيا لـ الجبال الزرقاء، وهي السلسلة الجبلية الرئيسية في جامايكا، وتحتل الثلث الشرقي من الجزيرة.
وقد سلكتُ شريطًا رفيعًا من الإسفلت، حيث كانت النباتات تلتهم أطرافه، يلتف صعودًا وسط إسراف مذهل من القمم المغطاة بغابة كثيفة على نحو لا يُصدق. وفي الطريق، مررتُ بجسور ضيقة تتدفق المياه تحتها كشلالات، وبمزارع الموز، وبيوت صغيرة معلّقة على المرتفعات، وأكشاك فواكه مصنوعة من الصفائح المعدنية المموجة، وحانات مطلية بالأحمر والأصفر والأخضر يفيض منها صوت الريغي.
وسرعان ما بدأت الطريق تعلو فوق مدرج كينغستون الطبيعي. ولم تكن المسافة بين الساحل وقمة بلو ماونتن (2256 مترًا) — أعلى نقطة في البلاد — سوى 16 كيلومترًا في خط مستقيم؛ وهي مسافة قصيرة بما يكفي لتجعل هذا الانحدار واحدًا من الأشدّ في العالم.
وفي الأعلى، حيث تنخفض درجات الحرارة كثيرًا إلى ما دون 10 درجات مئوية، كانت الغيوم الممزقة تفرغ سنويًا ما بين 5 إلى 7 أمتار من الأمطار، وكان المتنزهون يخوضون هذا التحدي خلال يوم أو يومين من الصعود الشاق انطلاقًا من Forres Park Lodge، حتى يصلوا إلى غابة القمم القزمة، المغمورة بالضباب.
المناخ كان مثاليًا هناك لزراعة قهوة بلو ماونتن الشهيرة برائحتها الشبيهة بالشوكولاتة. وقد أُدخلت إلى الجزيرة من مارتينيك في القرن الثامن عشر، ولا تُزرع إلا في قطع صغيرة من الأراضي. وكانت النتيجة أن ندرتها جعلتها واحدة من أغلى أنواع القهوة في العالم (50 دولارًا للكيلوغرام).
وفي ثنايا الجبال، رأيتُ حدائق عضوية صغيرة، حيث تزرع إحدى أفضل أنواع الماريجوانا في العالم، وكانت بعض العائلات الراستافارية ترعاها بحبّ شديد.
بورت رويال… مقرّ القراصنة – حصن سانت تشارلز
كانت خليج كينغستون الكبير، الذي يمكن لـ 500 سفينة أن ترسو فيه، يُغلق من الجنوب بشبه جزيرة طويلة تشبه إصبع الكابتن هوك. وكان المطار الدولي يقع في منتصف الطريق تقريبًا، تاركًا في أقصى الطرف تراكم الشوارع المغبرة لمدينة بورت رويال.
وللوهلة الأولى، لم يكن شيء يوحي بأن هذا المكان كان في القرن السابع عشر أغنى وأكثر الموانئ الإنجليزية سكانًا في أمريكا (8000 نسمة).
وكانت شرايينه تجري بدماء القراصنة، والبحارة الخارجين عن القانون، والعاهرات، وصائدي الثروة الذين قدموا من المحيطات الثلاثة لنهب الكاريبي.
ويُقال إن مبنى من كل أربعة كان حينها بيت دعارة أو حانة، حيث كانوا يقدمون شراب Kill-Devil، وهو روم ممزوج بالبارود.
وعلى رأس «أكثر المدن المسيحية انحلالًا» وقف هنري مورغان، القرصان المرخّص من التاج البريطاني، الذي أصبح لاحقًا حاكمًا لجامايكا، بل ونال لقب لورد من جلالة الملك.
وسواء كان ذلك عقابًا إلهيًا أو مجرد كارثة جيولوجية، ففي عام 1692، وبعد أربع سنوات من وفاة مورغان، أدى زلزال قوي إلى تسييل لسان الرمل الذي بُنيت عليه هذه السدوم الاستوائية، فابتلع الناس والمباني.
ومات معظم السكان، وغرقت المدينة بثلثيها تحت الماء — وما زالت هناك حتى اليوم — بما في ذلك قبر مورغان نفسه.
وفي مقبرة كنيسة سانت بيتر، ما زالت شواهد القبور المنقوشة بالجماجم تشهد على تلك الكارثة. ومن بين ستة حصون كانت قائمة آنذاك، لم ينجُ سوى واحد فقط. أماGiddy House ، ذلك البيت «الدوّار» المائل، فقد انقلب على جانبه خلال زلزال آخر عام 1907.
بورتلاند… بوابة الجنّة – شلالات ريتش
غادرتُ كينغستون من الجنوب الشرقي عبر الطريق رقم 4، الذي كان يجمع بين الإطلالات البحرية والحفر العميقة. وكنتُ أتعرج فيه بشجاعة وسط ريف فقير يحمل ملامح هايتي، تتفرع منه بعض المسارات التائهة نحو مواقع ركوب الأمواج النادرة في جامايكا.
وبعد تجاوز الطين الممتد بمحاذاة مانغروف خليج بورت مورانت، بدأت الرياح التجارية القادمة من الشمال الشرقي تفرغ أمطارها اليومية. واختفت الأدغال القاحلة، لتحل محلها غابة كثيفة تتخللها مزارع الموز، وحقول قصب السكر، وأشجار الخبز. وقد جُلبت هذه الأشجار من المحيط الهادئ في القرن الثامن عشر لإطعام العبيد بأقل تكلفة.
ولفت انتباهي على اليسار لوح صغير يشير إلى .Reach Falls وبعد عدة كيلومترات، وجدتُ نفسي وسط مشهد يشبه جنة عدن، يتأرجح بين الطبيعة والزراعة. وعلى جانب بستان من جوز الهند، كانت عائلة راستافارية تبيع جوز الهند الطازج بسعر 100 دولار جامايكي (0.75 دولار أمريكي).
وكانت الشلالات — مثل معظم المواقع الطبيعية في الجزيرة — مدفوعة عند الدخول. لم تكن التكلفة عالية جدًا، لكنها كانت تستحق؛ واستمتعتُ بالسباحة تحت رذاذ شلال منعش، محاط بإطار استوائي أخّاذ. ويقول الجامايكيون إن أبرشية بورتلاند هي الأجمل في الجزيرة.
وكان شاطئ بوسطن، المغمور بموسيقى الريغي وبائعي الحشيش، مقابل 5 دولارات أمريكية للدخول، يسبق Frenchman’s Cove (10 دولارات أمريكية)، وهو شاطئ ساحر منكمش بين مصبّ نهر ساحر ورأس صخري تعلوه النباتات.
وليس بعيدًا عن بورت أنطونيو، وجدتُ شاطئ وينيفريد، الذي كان استثناءً رائعًا: أخيرًا شاطئ عام، بدون رسوم دخول.
الساحل السياحي – أوتشو ريوس
كان الساحل الأوسط غارقًا في السياحة الجماعية. ففي أوتشو ريوس ومونتيغو باي، اختفت الشواطئ والواجهة البحرية تحت زحف المنتجعات الفندقية والمتاجر. أما مراكز المدن وضواحيها، فقد كانت تتحصّن خوفًا من الجريمة.
وفي الخلفية، كانت الانزلاقات الهوائية (Zipline) ، وحدائق الحيوان، ومنتزهات الدلافين التي تبيع تجربة السباحة مع الدلافين، تروّج نصيبها من الحلم الاستوائي لركاب السفن السياحية. وحتى أوراكابيسا، حيث عاش إيان فليمنغ طويلًا، ومعها شاطئ جيمس بوند الصغير جدًا، كانت متواضعة جدا.
ومع ذلك، بقيت هناك مناطق داخلية غنّاء، مليئة بالأنهار البرية. وهناك وجدتُ أجمل ما في جامايكا حقًا: تلك المناظر التي بدت كأنها من فجر العالم، نتاج التضاريس الكارستية للجزيرة، حيث تتنافس النباتات الجامحة مع سيمفونية الماء.
وكان بإمكاني بسهولة أن أتجاوز تجربة النزول في طوف من الخيزران (بمقاعد) على نهر ريو غراندي، وكذلك شلالات Dunn’s River التي أصبحت مزدحمة إلى حد أن الزوار يصعدونها وهم متشابكو الأيدي في سلسلة بشرية.
لكن بقيت بعض الكنوز في Island Gully Falls، شعرتُ وكأنني روبنسون كروزو أو طرزان، خلال تجربة كانيونينغ بدائية، حيث نزلتُ مع النهر من شلال صغير إلى آخر حتى وصلتُ إلى Blue Hole الرائع، بحوضه الزمردي الحليبي.
وأقل مرحًا لكنه أشبه بحديقة سماوية، كان Shaw Park Gardens & Waterfall، بدرجاته الكثيرة، والمغمور بأزهار الهليكونيا الأرجوانية، وطيور الجنّة، والباندانوس، والأنثوريوم.
الساحل الشمالي… في بلاد قصب السكر – روز هول
كان الساحل الشمالي أيضًا بلاد قصب السكر، وخزينة جامايكا الاستعمارية. ألم يُقال في القرن الثامن عشر إن هذه المنطقة كانت الأكثر ربحًا في العالم، ومنذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كان كل عقار هناك يضم في المتوسط 150 عبدًا. فماذا بقي من تلك الحقبة؟
وجدتُ عدة مزارع قديمة تضم منازل عمرها مئتا عام، وقد فتحت بعض هذه المزارع أراضيها للتجول بالدراجات الرباعية، وركوب الخيل، والانزلاق الهوائي.
وبعد أوتشو ريوس، كشف متحف Seville Great House عن المصير المأساوي للعبيد، مع إعادة بناء لأكواخهم. وفي الداخل، كانت مزرعة Hampden Estate (1753) ما تزال تقطّر الروم. وبالقرب من فالماوث، ارتفعت Greenwood Great House على التلال، وكأن الزمن توقف فيها، وسط حديقة مزهرة، وصور قديمة، وآلة موسيقية ألمانية متعددة الأصوات، وشبحين، ومنظار طويل لمراقبة حركة السفن.
وبالقرب من أوتشو ريوس، وقفت Rose Hall في نهاية ممر طويل مستقيم. وقد أعاد مالكها الأمريكي الحالي ترميمها إلى حد كبير بعد 130 عامًا من الإهمال. وكانت واحدة من أكبر المزارع، بمساحة تفوق 2400 هكتار، و2000 عبد، و365 نافذة، و52 بابًا، و12 غرفة.
وهناك سمعتُ قصة الساحرة البيضاء، آني بالمر، ابنة مزارعين من هايتي تُوفي والداها، وربّتها مربيتها على الفودو. تزوجت وريث روز هول، ثم تخلّصت منه بعد 6 سنوات بتسميمه، ثم فعلت الشيء نفسه مع زوجها الثاني (طعنته)، ثم الثالث (خنقته). أما عبيدها، الذين كانوا شركاءها بالإجبار، فقد انتهى بهم الأمر أيضًا إلى القتل.
اتجهتُ غربًا ثم جنوبًا – شاطئ سيفن مايلز
لم تكن نهاية جامايكا بعيدة بعد الآن. وبعد أكثر من ساعة بقليل على الطريق، وصلتُ إلى نيغريل، ثالث أشهر منتجع ساحلي في البلاد، الممتد بين 6.5 كيلومترات من شاطئ Seven-Mile Beach الشهير، ومنحدرات ويست إند، حيث ترك الهيبيون في سبعينيات القرن الماضي مكانهم لشاربي الجعة المتجمعين في Rick’s Café لمشاهدة أو تجربة قفزة الملاك (وهو القفز الاستعراضي نحو البحر من صخور Rick’s Café وقت الغروب، وهو من أشهر الأنشطة هناك).
لكن، في الحقيقة، وجدتُ أن الساحل الجنوبي أكثر سحرًا، خاصة بالقرب من Treasure Beach، حيث يختفي أخيرًا باعة الحشيش والتذكارات، أولئك الذين كانوا دائمًا مُلحّين أكثر من اللازم.
وهنا، كانت تشارمين الطيبة تحكم المكان، وهي تبيع «أبرد زجاجة Red Stripe في المدينة» خلف منضدة خشبية في متجرها Blessed Shop، بينما كانت مباريات الدومينو الحماسية تدور تحت مظلة من سعف النخيل في .Eggy’s
تناولتُ دجاج الجيرك الحارق، والكركند، والمحار البحري المشوي، على وقع ارتطام الأمواج بالشريط الضيق من الرمال الرمادية، فمن يستطيع أن يجد أفضل من ذلك؟ كان من السهل أن أنسى نفسي هنا… يومًا، يومين، وربما إلى الأبد.
وليس بعيدًا إلى الشرق، عند Lover’s Leap، كانت جبال سانتا كروز تهبط فجأة نحو البحر، مانحةً بانوراما تمتد لعدة كيلومترات. وعلى ارتفاع 530 مترًا فوق المياه، كانت المنارة تهيمن على المكان كالسيد المطلق.
وفي الغد، أبحرت في عرض البحر، فوق المياه الفيروزية، برفقة الدلافين، للوصول إلى الأرصفة المرتجلة ل Pelican Bar، ذلك البار المصنوع من الخردة والأخشاب الطافية.
يا له من مكان غريب! حانة صغيرة مثبتة فوق شعاب مرجانية بالكاد تُرى، متحدية الأعاصير، وكان من الصعب العثور على شيء أكثر طزاجة مما هو متوفر: فالسمك المشوي كان يُصطاد مباشرة عند أعمدة المكان، ومع ذلك، لم يكن هناك ما يمنعني من ارتداء قناع الغوص والنزول لمضايقته حيًّا في الماء.
في جامايكا، كنتُ أتنقل أساسًا عبر سيارات الأجرة الجماعية، وكانت أسعارها معقولة جدًا. كما وجدتُ خدمة حافلات سريعة تربط بين كينغستون وأوتشو ريوس وبورت أنطونيو ومونتيغو باي ونيغريل، وهي خدمة .Knutsford Express
لكن، بالنسبة لي، كان الحل الأفضل هو استئجار سيارة، إذ كانت ضرورية للوصول إلى الشلالات والمزارع والشواطئ، إذ لم أكن أرغب في دفع مبالغ باهظة لسيارات الأجرة طوال الوقت.
وهكذا غادرتُ جامايكا كما لا يُغادر المرء جزيرةً، بل كما يُغادر أغنيةً عالقةً في القلب. غادرتُها وفي أذني صدى الريغي يتردّد بين جدران ترينش تاون، وفي أنفي عبق قهوة الجبال الزرقاء، وعلى جلدي ملح البحر القادم من نيغريل وبورتلاند، وفي الذاكرة وجوهٌ سمراء تبتسم رغم الفقر، وترقص رغم التاريخ المثقل بالعبودية والقراصنة والزلازل والعنف.
جامايكا ليست مجرد شواطئ فيروزية وبطاقات بريدية استوائية؛ إنّها جزيرةٌ صنعت من الألم موسيقى، ومن الفقر فلسفة، ومن المقاومة أسلوب حياة.
هنا، في ضيافة بوب مارلي، فهمتُ أن الريغي لم يكن مجرد إيقاع، بل كان صلاةً جماعية، وصرخة حرية، ومرثيةً طويلةً للمنسيين.
ولعلّ أصدق ما يُختَتم به هذا السفر، كلمات ابن جامايكا الأشهر بوب مارلي:
“One good thing about music, when it hits you, you feel no pain.”
“من أجمل ما في الموسيقى أنّها حين تلامسك، لا تُشعرك بالألم.”
لكنّ جامايكا فعلت بي العكس قليلًا…لامستني موسيقاها، فأيقظت في داخلي كلَّ ألمٍ جميل، وكلَّ حنينٍ لا يُشفى. وتركتني، وأنا أبتعد عنها، أتمتم كما لو كنتُ أردد أغنية ريغي أخيرة: لا امرأة، لا بكاء… فكم سأشتاق إليكِ يا جامايكا.

