إن تحكيم الصورة الفوتوغرافية، يا سادة، ليس مجرد نظرٍ عابر تتبدل فيه الآراء بتبدل الأمزجة، بل هو محاكمة فنية مكتملة الأركان، تزداد تعقيداً وتركيباً كلما علت مكانة الجهة الحاضنة لها. وتأملوا معي في جائزة عالمية كبرى بحجم جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي (هيبا)؛ هذه الجائزة التي ترتدي في كل دورة سنوية ثوباً قشيباً، وتحمل سمةً متجددة، فكأن المسابقة تولد في كل عام مرة جديدة، وتلك لعمري مزية المسابقات العظمى: أنها تُقبل على الدنيا بشبابٍ دائم، فلا تهرم ولا تبلى.
هندسة المحاور ودورة الحياة في “هيبا”
في هذا العام، عام 2026، دارت السمة الرئيسية للجائزة حول أقدس رابطة بشرية، فجاءت تحت عنوان “العائلة”. وإلى جانب هذا المحور الذي يمس شغاف القلوب، نجد هندسةً دقيقة للمحاور تنقسم بين الثبات والتحول:
-
المحاور الدائمة: وهي بمثابة العمود الفقري، وتتمثل في المحور العام بشقيه اللذين لا يغيب سحرهما: الملون، والأبيض والأسود اللذين يختزلان الزمان في مساحة من ضياء وظل.
-
المحاور المتغيرة: وتأتي لتلبي نبض الحركة الإنسانية، كمحور التصوير الرياضي الذي يقتنص جزءاً من الثانية تختزل جهداً إنسانياً هائلاً.
-
المحور المتجدد (الأحلام): وهو المحور الذي وقفنا فيه هذا العام متأملين؛ حيث “الصورة الحلم”. تلك الصورة التي يركض خلفها المصور في براري الواقع، فلا تسعفه أدواته المادية لتجسيد ما يرفرف في خياله، وهنا -ولاحظوا معي دقة الصنيع- يمد يده إلى الذكاء الاصطناعي، لا ليلغي جهده، بل ليكون له عوناً وخادماً يطوع الأدوات الرقمية التي تولد صبيحة كل يوم، ليخرج للعالم حلمه المكتمل.
درة التاج: القصة المصورة الصحفية
يبقى محور “الملف المصور” أو “القصة المصورة” هو الملك المتوج على عرش هذا الفن، والذي لا ينافسه منافس. إنها الصورة الصحفية الحقيقية؛ تلك التي ستبقى شامخة مهما بلغت أدوات الذكاء الاصطناعي من الحذق والمحاكاة. والسر في ذلك بسيط وعميق في آنٍ واحد: الذكاء الاصطناعي يصنع المشهد، ولكنه لا يصنع الحقيقة. الحقيقة تولد أصيلة، تمشي على الأرض، ويتنفسها الإنسان، ولهذا كان هذا المحور بالذات مستودعاً لدرة المعاني، وعين يقين الحكايا التي تأتينا من كل حدب وصوب في هذا العالم.
أروقة التحكيم: ميزان العدل والخبرة
حين ننتقل من وصف المحاور إلى كواليس التحكيم، تبرز أمامنا جهود استثنائية تشبه عمل خلية النحل التي لا تهدأ. إن استقبال أعدادٍ فلكية من الصور والقصص من مختلف أرجاء المعمورة يتطلب نظاماً صارماً يبدأ من الفرز الأولي.
وهنا تظهر الحكمة في اختيار محكمين متخصصين للمراحل الأولى، يتولون المراجعة التقنية والفنية ومطابقة الشروط. ولعمري، إن من الظلم البين والجور الظاهر أن نأتي بمحكمٍ عام، مهما بلغت ذائقته، ليقضي بين الصور في محور متخصص كـ “التصوير الرياضي” وهو لا يدري من قوانين اللعبة وفنيات اقتناص الحركة شيئاً! ومثل ذلك يقال في مصوري الطبيعة والحياة البرية. فلكل ميدان فرسانه، ولكل فن أهله.
وبعد ليلٍ طويل من الفرز والتمحيص، تنجلي الغُمة عن “القائمة القصيرة”، التي لا تضم في كل محور سوى بضع مئات من الصور والقصص، وهنا يرتفع مستوى النقاش ليصبح خالصاً في تذوق الجمال، ودراسة التكوين، واستنطاق مكامن الإبداع.
طرائف البراري وعين الخبير
ولا تظنوا أن الأمر ينتهي عند حدود الجمال؛ بل إن التحقق من أصالة الصورة وخلوها من التلاعب الرقمي الخفي (خارج محور الأحلام طبعاً) يأخذ نصيب الأسد من وقت لجنة التحكيم. فكم من صورة سُحبت منها شخوص كانت في الأصل الخام (RAW)، وكم من تفاصيل أُقحمت إقحاماً لتزييف الواقع!
ودعوني أختم معكم بهذه الطرفة اللطيفة التي شهدتها أروقة التحكيم في محور “الحياة البرية”، لتعلموا كم هي دقيقة عين الخبير:
مرت أمام اللجنة صورة غاية في الروعة والبهاء، تمثل حيوانين بريين يركض أحدهما خلف الآخر في مطاردة تحبس الأنفاس. وقف المحكمون أمامها مشدوهين؛ التكوين فائق، الإضاءة ساحرة، العزل الخلفي متقن، وبدا أن الصورة في طريقها لانتزاع الجائزة بلا منازع.
وهنا، استوقفنا محكم وخبير هولندي، أمضى شطر عمره في القفار والبراري، ونظر إلى الصورة ملياً ثم ابتسم قائلاً: “أيها السادة، الصورة فاتنة، ولكن أخبروني: كيف التقى هذان الكائنان؟ إن أحدهما موطنه الأصلي أدغال آسيا، والآخر لا يعيش إلا في أوروبا، وهما في الطبيعة خطان متوازيان لا يلتقيان!”
وهكذا، بكلمة واحدة من خبير صادق، تبدد سحر الصورة المستعارة، واستُبعدت من السباق رغم كل ما اتصفت به من كمالٍ ظاهري، لأنها افتقدت روح الحقيقة الأصيلة.

