كأنَّما الضوءُ في الكونِ لغةٌ قديمةٌ غامضة، لا يترجمها على حقيقتها إلا عينانِ لم تُكَدِّرْ صفاءَهُما غاشيةُ الأيام، أو قلبٌ يحملُ بين طياتهِ رقةَ الوردةِ وصبرَ الصخرة. وفي فلسفةِ الصورة، تلتقي طفولةُ الحياةِ بطفولةِ الفن، فتصنعانِ معاً حقيقةً جماليةً تنأى عن الزوال، وتستعصي على الفناء.
الصورةُ في محفل الصِّبا: صبرُ الصانع وجلالُ اللحظة
إنَّ وقوفَ المصورِ حِيالَ الطفولةِ ليس وقوفَ صانعٍ أمامَ آلتهِ، بل هو وقوفُ متعبدٍ في محرابِ الدهشة. تصويرُ الأطفالِ ليس ضرباً من العبث، ولا قنصاً عارضاً للقطات؛ بل هو صنعةٌ مَدارُها على شغفٍ يتقد، وصبرٍ يتجمّل، وأناةٍ تتأمل. فالطفلُ لا يصطنعُ الوقار، ولا يتكلّفُ الحضور، بل يتدفقُ كالنهر؛ فمن أرادَ أن يحبسَ قطرةً من هذا التدفقِ في مَحبسِ الصورة، لزمهُ أن يكونَ أرقَّ حساً من نسيمِ الفجر، وأشدَّ صبراً من حارسِ الأثر.
ثم إنَّ هذه الصورَ التي نَحسبُها اليومَ مجردَ لقطاتٍ عابرة، هي في حقيقتها كنوزٌ عائليةٌ تُدَّخَرُ لعادياتِ الزمن. إنها مستودعُ الدموعِ والابتساماتِ في مقبلِ الأيام. وكم من بطلٍ في تلك الصورِ كَبُرَ واستوى، فنظرَ إلى يمينهِ أو شمالهِ في الإطار، ليرى وجهاً غيَّبهُ الموت، وقبراً ضمهُ الثرى؛ وجهاً لم يُعايشهُ في الواقع، ولم يَسمعْ نبرةَ صوتهِ، ولكنهُ عرفهُ حباً، وتشرّبهُ فخراً.
“هنا يكمنُ النَّسَبُ الفوتوغرافيُّ الذي يشدُّ عرى الأرواحِ ببعضها؛ فإذا انقطعَ حبلُ اللقاءِ الجسديِّ، بَقِيَ رباطُ النورِ شاهداً على صلةِ الرحمِ والوجدان. فيقفُ الحفيدُ فخوراً بجدهِ، تملأُ نفسَهُ السمعةُ الحسنةُ والذكرُ الطيب، وكأنَّ الصورةَ لم تكن مجردَ انعكاسٍ للضوء، بل كانت وثيقةَ نسبٍ روحيٍّ ممتد عبر الأجيال.”
حين يكونُ الطِفلُ صانعَ النور: العيونُ البِكر والابتكار
عجيبٌ أمرُ هذا الفن! كيف ينقلبُ فيهِ الصبيُّ من مَوضعِ اللقطةِ إلى صانعِ الدهشة. إنَّ اقتحامَ اليافعينَ والشبابِ ميدانَ التصويرِ هو بشارةُ المستقبلِ ووقودُ الابتكار. والشبابُ كما قال الشاعر تبياناً وتأكيداً: “إنّ الشبابَ أبو المعجزات”؛ وما ذاك إلا لأن عيونَ الشبابِ عيونٌ بكر، لم تطبعْ عليها خطوطُ الرتابة، ولم تغشَها غشاوةُ المألوف.
إنَّ الأرضَ البكرَ أشدُّ منبتٍ خِصباً يخرجُ منه أطايبُ القِطاف، ووجوهُ الفنِّ الغضَّة المبتكرة. وفي عصرنا هذا، حيث يتدفقُ المَدُّ البصريُّ كالسيلِ العرِم، وتتزاحمُ ملايينُ الصورِ عندَ بواباتِ العقولِ كلَّ يوم؛ يقعُ في نفوسِ هؤلاءِ الناشئةِ تلاقحٌ فريدٌ بين المخزونِ البصريِّ الهائل الذي يروْنَهُ، والعيونِ الغضَّةِ السليمة التي يمتلكونها. فتصفي عقولُهم الخصيةُ هذا الركام، لتصنعَ منه لغةً بصريةً جديدة، طريفةً ومدهشة، تتفتقُ عن أبهى الحللِ الفنيةِ التي لم تطمثْها عقولُ الكبار.
إنَّ الطفولةَ والشبابَ هما موطنُ التحولاتِ الكبرى ووقودُها المتَّقِدُ في كل مَيدان، فكيفَ بهم إذا ولجوا مَمالكَ الإبداع، وأسرجوا خيلَ الفنونِ البصرية؟ إنهم يكتبون بالضوءِ فصلاً جديداً من فصولِ الخلود.
شواهدُ من مَحاريبِ الإبداعِ الناشئ
ولو ذهبنا نعددُ من نبغَ في هذا السنِّ الغضّ، لضاقَ الحصر، ولكن في الإشارةِ ما يغني عن تفصيلِ العِبارة:
-
لوبين غودان (فرنسا):
ذاك الفتى الفرنسيُّ الذي نظرَ إلى العالمِ بعينٍ تجمعُ بين حيويةِ الشبابِ وعمقِ التأمل، فاستطاعَ بلمستهِ الرهيفةِ أن ينقلَ مشاعرَ الجيلِ الجديدِ بلغةٍ بصريةٍ تتجاوزُ حدودَ الجغرافيا لتخاطبَ الوجدانَ الإنسانيَّ العام.
-
أحمد محمد الحارثي (سلطنة عمان):
الذي حملَ في قلبهِ عراقةَ المشرقِ وسحرَ عُمان، وصاغَ من الضوءِ حكاياتٍ تنبضُ بالأصالة. إنَّ عينَهُ البِكرَ التقطتْ تفاصيلَ الأرضِ والوجوهِ بوعيٍ يسبقُ سنواتِ عمرهِ، فغدا مثالاً للشابِّ العربيِّ المتصلِ بجذورهِ والمحلقِ في آفاقِ العصر.
-
جيمي سمارت (المملكة المتحدة):
الذي تمثَّلَ في صورهِ عفويةَ الإنجليزِ ودقّتَهم الفنية، مقدماً رؤيةً بصريةً دقيقة، تلتقطُ المفارقاتِ اليوميةَ بكثيرٍ من الشغفِ الطفوليِّ والمهارةِ التقنيةِ العالية، مما جعلهُ صوتاً مميزاً بين أقرانه.
-
ميثاء عبد الله حاج قاسم (دولة الإمارات العربية المتحدة):
ابنةُ الإماراتِ التي حملتْ في بصيرتِها وهجَ الصحراءِ وطموحَ الفضاء. تجلتْ موهبتُها في التقاطِ الجمالِ الكامنِ في التفاصيل، فكانتْ عيناها كالمصفاةِ التي لا تُبقي إلا الجميلَ والغضَّ والجديد، مبرهنةً على أن ابنةَ هذه الأرضِ المعطاءةِ تحملُ في فكرِها ريادةَ المستقبلِ الفني.
خاتمةُ النور
إنَّ الصورةَ، في نهايةِ المطاف، ليستْ حبساً للضوء، بل هي إطلاقٌ للروح. وحين تجتمعُ الصورةُ والطفولة، يرتسمُ على وجهِ الوجودِ أبهى معاني الأمل. فالطفلُ الذي نصوّرهُ اليومَ يحملُ أجدادهُ في ملامحهِ ليعبرَ بهم إلى المستقبل، والطفلُ الذي يُصوّرُ اليومَ يمسكُ بزمامِ الضوءِ ليُعيدَ صياغةَ العالمِ كما يجبُ أن يكون: طاهراً، جميلاً، وبِكراً كأولِ فجرٍ طلعَ على الأرض.

