في دروب الذاكرة: تأملات مغربي في أرض التنين

لم تكن رحلتي إلى فيتنام مجرد انتقال جغرافي من أقصى غرب العالم العربي إلى أقصى شرق آسيا، بل كانت عبورًا داخليًا بين زمنين: زمن يصنع نفسه بعنادٍ هادئ، وزمنٍ آخر مثقلٍ بتاريخ الحروب.

غادرتُ المغرب وفي ذهني صورة بلدٍ طالما ارتبط في الذاكرة العالمية بالحرب. غير أنني ما إن وطئت أرض فيتنام حتى أدركت أن الأمم لا تُختزل في جراحها، بل في قدرتها على النهوض بعدها. وكأن كلمات هو تشي منه تهمس في أذني: «لا شيء أثمن من الاستقلال والحرية». لكن الحرية هنا لم تعد شعار مقاومة فقط، بل صارت فعل بناء يومي.

هانوي: حيث يتنفس التاريخ في الأزقة

اخترت أن أبدأ من الشمال، من العاصمة هانوي، المدينة التي تجمع بين التأمل والضجيج. في حيّها القديم، كانت الدراجات النارية تمضي كتيار لا ينقطع، فيما البحيرة — بحيرة هوان كيم — تمنح المكان وقفة روحية. هناك، حيث يمارس السكان تمارين التاي تشي عند الفجر، شعرت أن المدينة تبدأ يومها بسلام داخلي قبل أن تنغمس في حركتها الصاخبة.

زرتُ ضريح هو تشي منه، لا باعتباره معلمًا سياسيًا فحسب، بل رمزًا لذاكرة وطن. وفي معبد الأدب، أقدم جامعة في فيتنام، استحضرتُ كلمات الشاعر الفيتنامي العظيم نغوين زو: «الكلمة الطيبة تعيش ألف عام، أما الشر فيُنسى مع الريح».

كان المعبد احتفاءً بالمعرفة، وكأن الأمة التي عانت الحرب قررت أن تجعل من التعليم حصنها الدائم.

ومن التجارب الثقافية اللافتة، حضرت عرض الدمى المائية التقليدي، حيث تختلط الأساطير الشعبية بالموسيقى الحية. بدا العرض أشبه بمرآة لروح فيتنام الزراعية القديمة، حيث الماء ليس عنصرًا طبيعيًا فحسب، بل جزء من المخيلة الجماعية.

نينه بينه: حين تتجلى الطبيعة كقصيدة

في نينه بينه وتام كوك، شعرت أن الطبيعة هنا تكتب شعرها الخاص. القوارب تنساب بين جبال الحجر الجيري، وحقول الأرز تمتد بلونها الأخضر اللامتناهي. صعدتُ درجات كهوف موا، أكثر من خمسمائة درجة، لأجد في القمة مشهدًا يجعل الإنسان يصمت طويلًا.

هناك فهمتُ ما قصده الجنرال فو نغوين جياب حين قال: «قوة الأمة ليست في سلاحها، بل في إرادة شعبها». فالطبيعة هنا ليست خلفية، بل شاهدٌ على صبر طويل وإرادة عنيدة.

خليج هالونغ: أسطورة الماء والصخر

في خليج هالونغ، حيث تتناثر الجزر الصخرية فوق صفحة الماء كحروفٍ في ملحمةٍ قديمة، أدركت أن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى أسطورة. تقول الحكاية إن تنينًا هبط من السماء ليحمي البلاد، فتناثرت من فمه جواهر تحولت إلى جزر.

مع غروب الشمس، يتحول الأزرق إلى عمقٍ داكن، ويشعر المرء بضآلة وجوده أمام اتساع الأفق. استيقظتُ فجرًا لأمارس التجديف بالكاياك وسط السكون، وكأن البحر يمنحك فرصة لإعادة ترتيب أفكارك.

هيو: الإمبراطورية التي ما زالت تهمس

في الوسط، في مدينة هيو، العاصمة الإمبراطورية القديمة، دخلتُ إلى القلعة المحرمة، حيث كانت سلالة نغوين تحكم البلاد. الجدران العالية لا تزال تحمل صدى قراراتٍ غيّرت مصير أجيال.

هنا، بدا التاريخ أقل صخبًا وأكثر تأملًا. زرتُ قبور الأباطرة، وتوقفت عند المعابد البوذية التي تنشر طمأنينة عميقة. في هذا المكان، يبدو الزمن دائريًا، لا خطيًا.

هوي آن: مدينة الفوانيس والحنين

هوي آن مدينة الضوء والسكينة. مع حلول المساء، تُضاء الفوانيس بألوانٍ زاهية، وينعكس وهجها على نهر هواي. جلستُ في مقهى صغير أرتشف قهوة البيض الفيتنامية، وأتأمل مشهد القوارب الصغيرة وهي تنساب ببطء.

زرتُ بيت «تان كي» القديم، أحد البيوت التجارية التي تعود إلى قرون مضت، حيث تلتقي التأثيرات الصينية واليابانية والفيتنامية. كما شاركت في ورشة صغيرة لصناعة الفوانيس، فاكتشفت أن الضوء هنا ليس زينة، بل فلسفة حياة.

دا نانغ: بين الحداثة والبحر

دا نانغ مدينة معاصرة تنفتح على المستقبل. صعدتُ إلى جبال الرخام، ودخلتُ كهوفها التي تجمع بين الطبيعة والروحانية. ثم زرتُ تمثال «ليدي بوذا» المطل على البحر، وكأنها تحرس المدينة.

جسر التنين، الذي يطلق النار في عطلة نهاية الأسبوع، بدا رمزًا لمدينة تجمع بين الأسطورة والتكنولوجيا.

هو تشي منه: اقتصاد يتنفس بسرعة

في الجنوب، في مدينة هو تشي منه، تتجلى روح مختلفة: إيقاع سريع، أسواق صاخبة، ومبانٍ شاهقة. زرتُ متحف الحرب، وهناك اصطدمتُ بذاكرة مؤلمة. الصور والوثائق تذكّر بأن الحرية لم تكن هدية مجانية.

ثم انتقلتُ إلى أنفاق كوتشي، حيث حفر المقاتلون شبكة تحت الأرض لمقاومة القصف. في تلك الأنفاق الضيقة، شعرتُ أن الصمود ليس كلمة، بل تجربة جسدية.

وفي دلتا ميكونغ، حيث الحياة تدور حول الماء، ركبتُ قاربًا صغيرًا في النهر الطيني، وشاهدت الأسواق العائمة التي تشهد على اقتصادٍ شعبي حي.

صباحات فيتنام ومساءاتها

كل صباح في فيتنام يبدأ مبكرًا. القهوة تتقطر ببطء من الفلتر المعدني إلى الحليب المكثف، وكأن الزمن نفسه يتعلم الصبر. وفي المساء، تتحول الأرصفة إلى مقاهٍ مفتوحة، حيث يجلس الناس على كراسٍ منخفضة، يحتسون البيرة ويتبادلون الضحكات.

الشعب الفيتنامي يبدأ كثيرًا من حديثه بعبارة: «بلدي، فيتنام». ليست مجرد عبارة وطنية، بل تعبير عن انتماء حيّ.

لم أعد إلى المغرب محملًا بالصور فقط، بل بأسئلة. كيف استطاعت أمة أنهكتها الحروب أن تعيد تعريف نفسها؟ كيف تحولت الذاكرة المؤلمة إلى طاقة بناء؟

ربما الجواب يكمن في كلمات الشاعر نغوين زو: «من الألم يولد الفهم، ومن الفهم يولد السلام».

فيتنام ليست مجرد وجهة سياحية؛ إنها درسٌ في الإرادة، وفي قدرة الشعوب على تحويل التاريخ إلى قوة دفع نحو المستقبل.

وأظن أنني، كما قلت هناك في تام كوك، تركت جزءًا من قلبي بين الجبال والأنهار وعدتُ بجزءٍ آخر أكثر امتلاءً بالحياة.

no
no

لقد ساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال

اختار المشارك أن يبقى مجهولًا.

المعلومات المقدمة حول هذا الموضوع ليست بديلاً عن المشورة المهنية ، ويجب عليك استشارة أحد المتخصصين المؤهلين للحصول على مشورة محددة تتناسب مع وضعك. بينما نسعى جاهدين لضمان دقة المعلومات المقدمة وحداثتها ، فإننا لا نقدم أي ضمانات أو إقرارات من أي نوع ، صريحة أو ضمنية ، حول اكتمال أو دقة أو موثوقية أو ملاءمة أو توفر المعلومات أو المنتجات أو الخدمات أو ما يتعلق بها الرسومات الواردة لأي غرض من الأغراض. أي اعتماد تضعه على هذه المعلومات يكون على مسؤوليتك الخاصة. لا يمكن أن نتحمل المسؤولية عن أي عواقب قد تنجم عن استخدام هذه المعلومات. يُنصح دائمًا بالحصول على إرشادات من محترف مؤهل.