في زمن لم تعد فيه الصورة تُنقل كما هي بل تُعاد صياغتها وتفسيرها عبر منصات متعددة، يصبح الحديث عن السردية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. لم يعد الأمر متعلقاً فقط بما يحدث، بل بكيف يُروى، ومن يرويه، وبأي لغة يصل إلى العالم. هنا تحديداً، تتحول السردية من مجرد خطاب إعلامي إلى أداة استراتيجية تُشكل الانطباع، وتبني الثقة، وتحدد موقع الدول في وعي الجمهور العالمي.
خلال جلسة نظمها نادي دبي للصحافة بعنوان “إدارة السمعة والسردية الوطنية” بإدارة الإعلامية نوفر رمول، وبمشاركة الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي محمد الحمادي، لم يكن النقاش نظرياً بقدر ما كان واقعياً، حيث تناولت الجلسة كيف تبنى صورة دولة، ومن يشارك فعلياً في تشكيلها، في عالم تتداخل فيه الحقائق مع السرديات، وتتنافس فيه الروايات على كسب ثقة الجمهور.
فالسردية لم تعد حكراً على جهة واحدة، ولم يعد الهدف مقتصراً على التصدي للمعلومات المضللة، بل أصبح التحدي الحقيقي هو القدرة على تقديم قصة متكاملة تعكس حقيقة دولة الإمارات بوضوح وثقة، بعيداً عن التشويه أو التزييف. سردية قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي متعدد الخلفيات، بلغاته المختلفة، وبفهم عميق لتعقيدات المشهد الإعلامي الحديث. لكن ما بين هذه الطروحات، برز بعد أكثر عمقاً: أن هذه السردية في جوهرها لم تعد تكتب من طرف واحد بل تصاغ بشكل جماعي، من خلال تجارب حقيقية يعيشها كل من ينتمي إلى هذا المكان.
لكن ربما أبرز ما خرجت به الجلسة لم يكن فقط ما طُرح على المنصة، بل ما تم الاعتراف به ضمنياً، وهو الدور الذي لعبه المقيمون خلال الفترة الماضية. دور لم يكن منظماً أو موجهاً، ولم يأتِ استجابة لطلب رسمي، بل كان نابعاً من شعور حقيقي بالانتماء. فقد بادر الكثيرون إلى مشاركة تجاربهم، والدفاع عن صورة الإمارات، ونقل واقعها كما عاشوه، ليس من منطلق مهني فقط، بل بدافع شخصي يعكس علاقة أعمق مع المكان.
هذا التحول يفتح باباً لفهم مختلف لدور المقيم في المجتمعات الحديثة. ففي حين يبقى المقيم في كثير من المدن على هامش السردية الوطنية، تظهر دبي كنموذج مختلف، حيث يتحول المقيم من متلقٍ إلى شريك فعلي في صياغة الرواية. لا يكتفي بالعيش داخل التجربة، بل يساهم في نقلها وتفسيرها، سواء من خلال أعماله، أو مشاريعه، أو حتى حضوره اليومي في المشهد العام. ومع هذا التنوع الكبير في الخلفيات والثقافات، تزداد السردية الإماراتية ثراءً، وتصبح أكثر قدرة على التواصل مع العالم بصورة طبيعية وعفوية.
وما بين رؤية حكومية واضحة تضع الإطار العام، ودور أساسي للمواطن في الحفاظ على الهوية وترسيخ القيم، ومساهمة حقيقية من المقيمين في نقل الصورة إلى الخارج، يتشكل نموذج تنموي قائم على التكامل. نموذج لا يعتمد على صوت واحد، بل على تعدد الأصوات ضمن إطار موحد، حيث تتحول السمعة من مهمة إعلامية تقليدية إلى مسؤولية مشتركة، يشارك في بنائها كل من يعيش هذه التجربة على أرض الواقع.

