هناك أماكن قليلة جدًا في العالم جعلت قلبي ينبض بالدهشة كما فعلت نيبال. منذ اللحظة التي بدأت أفكر فيها بالسفر إلى هذه البلاد الصغيرة الواقعة في قلب جبال الهيمالايا، شعرت بأنني على موعد مع تجربة مختلفة تمامًا. نيبال ليست مجرد وجهة جغرافية، بل حالة روحية كاملة. وكما يقول الشاعر النيبالي الكبير لاكشمي براساد ديفكوتا: “الجبال ليست حجارة صامتة، بل حكماء يروون قصص الزمن.”
حين وصلت إلى نيبال أدركت معنى هذه الكلمات. فهنا تمتد الطبيعة بأبهى صورها: سلاسل جبلية شاهقة، غابات كثيفة تتخللها الأنهار والجداول، بحيرات هادئة تعكس زرقة السماء، وسهول منخفضة عند الحدود مع الهند حيث يمكن للمرء أن يشاهد وحيد القرن والفيلة وحتى النمور في بيئتها الطبيعية. في تلك اللحظات شعرت أنني أسير داخل لوحة طبيعية هائلة، وأن كل خطوة أخطوها تكشف لي جانبًا جديدًا من جمال هذا البلد.
لطالما تركت نيبال أثرًا عميقًا في قلوب المسافرين الذين عبروا طرق جنوب آسيا. وأنا لم أكن استثناءً. إنها بلد يجمع بين التاريخ العريق والثقافة الغنية والطبيعة الساحرة. شعبها بسيط وودود، وتقاليده الفولكلورية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. أما المطبخ المحلي، فرغم بساطته، فإنه يحمل نكهة الحياة الريفية الأصيلة.
الهروب إلى نيبال
رحلتي إلى نيبال بدأت من المغرب. لم تكن هناك رحلات مباشرة إلى كاتماندو، عاصمة البلاد، ولذلك كان عليّ أن أسافر عبر محطة توقف دولية. اخترت في النهاية رحلة تمر عبر الدوحة، رغم أن خيارات أخرى مثل دبي أو نيودلهي كانت متاحة أيضًا. وإذا قمت بتوسيع خيارات البحث لتشمل رحلات بتوقفين، فقد تجد أسعارًا أقل، أحيانًا دون 500 يورو، لكن الرحلة ستكون أطول وأكثر إرهاقًا. كما يمكنك التفكير في الخطوط الجوية التايلاندية، التي قد توفر أسعارًا مناسبة وتمنحك فرصة التوقف في تايلاند، وهو خيار مغرٍ خاصة بعد فترة من الاعتماد على الطعام النيبالي، حيث سيبدو تناول طبق “باد تاي” في شوارع بانكوك تجربة لا تُقدّر بثمن.
كانت الرحلة طويلة، لكن فكرة الوصول إلى سفوح الهيمالايا جعلت ساعات الطيران تمر أخف مما توقعت.
في إحدى المجلات التي كنت أقرأها أثناء الرحلة، وقعت عيناي على مقولة للكاتب النيبالي باريجات يقول فيها: “السفر ليس انتقالاً بين الأمكنة، بل اكتشاف لما كنا نحمله في داخلنا دون أن ندركه.” وحين هبطت الطائرة في كاتماندو، شعرت أن هذه الكلمات تصف بدقة ما كنت أعيشه.
التأشيرة النيبالية
قبل السفر، كان عليّ الحصول على تأشيرة سياحية لدخول نيبال. تتغير تكلفة التأشيرة بحسب مدة الإقامة: 25 دولارًا لخمسة عشر يومًا، و45 دولارًا لشهر، و100 دولار لثلاثة أشهر كاملة. اخترت تأشيرة الثلاثين يومًا، لأنني كنت أريد وقتًا كافيًا لاكتشاف البلاد دون استعجال.
كما أن المطار في كاتماندو أصبح يوفر نظام التأشيرة الإلكترونية، وهو خيار مريح نسبيًا، لكنه لا يختصر دائمًا وقت الانتظار. ومع ذلك، فإنه يجنّب المسافر مشكلة صرف العملة المحلية عند الوصول.
كاتماندو عاصمة الدهشة
عندما خرجت من مطار كاتماندو، شعرت بأنني دخلت عالماً مختلفاً تمامًا. المدينة تعج بالحياة والضجيج والروائح والألوان. كان عليّ أولًا أن أختار مكان الإقامة، وقد نصحني أحد المسافرين بالإقامة في حي ثاميل، وهو أكثر الأحياء شهرة بين الرحالة.
ثاميل منطقة مليئة بالفنادق الصغيرة والمطاعم والمقاهي ومحال الحرف اليدوية. تغيرت كثيرًا بعد الزلزال الكبير الذي ضرب نيبال عام 2015، لكنها ما تزال تحتفظ بروحها الخاصة. أما شارع فريك القريب من ساحة دوربار، فقد كان في سبعينيات القرن الماضي مركزًا للمسافرين الهيبيين الذين كانوا يعبرون آسيا بحثًا عن الحرية الروحية.
الإقامة في كاتماندو تجربة بحد ذاتها. يمكن للمرء أن يجد غرفة بسيطة جدًا بثلاثة يورو فقط في الليلة، أو أن يختار فندقًا فاخرًا تتجاوز تكلفته مئة يورو. أما أنا ففضلت مكانًا بسيطًا قريبًا من قلب المدينة، لأنني أردت أن أعيش التجربة كما يعيشها السكان المحليون.
ما الذي رأيته في كاتماندو؟
كنت أستيقظ باكرًا كل صباح. أول محطة لي كانت مطعمًا صغيرًا يقدم الشاي بالحليب مع خبز التشاباتي وطبق “تشانا ماسالا”. كان الإفطار بسيطًا لكنه يمنحني الطاقة لبداية يوم طويل.
من هناك كنت أتجه إلى حديقة راتنا، حيث تتجمع الحافلات الصغيرة التي تنقل الركاب إلى مختلف أحياء المدينة. لا توجد لوحات إرشادية واضحة، وكل شيء يعتمد على سؤال الناس والاستماع إلى السائقين الذين ينادون بأسماء الوجهات.
في أحد الأيام ركبت حافلة متجهة إلى بودهاناث، وبعد نحو نصف ساعة وصلت إلى أحد أهم المواقع البوذية في العالم. وقفت أمام الستوبا العملاقة أتأملها طويلاً. آلاف الحجاج يطوفون حولها بصمت، ودواليب الصلاة تدور مع الريح. تذكرت حينها قول الحكيم النيبالي تولسي جيري: “من يسير حول معبدٍ بقلبٍ هادئ، يكتشف أن الطريق الحقيقي هو الطريق إلى الداخل.”
بعد ذلك توجهت إلى معبد باشوباتيناث، أحد أقدس الأماكن في نيبال، حيث تقام طقوس حرق الجثث على ضفاف النهر. كان المشهد مهيبًا ومؤثرًا للغاية. لذلك أدركت بسرعة لماذا يطلب السكان المحليون من الزوار عدم التقاط الصور؛ فهذه اللحظات ليست مشهدًا سياحيًا، بل جزء من طقوس وداع إنسانية عميقة.
وفي نهاية اليوم صعدت إلى معبد سوايامبهوناث، المعروف بمعبد القردة. كان الصعود عبر الدرج الطويل متعبًا، لكن المشهد من الأعلى كان يستحق كل خطوة. المدينة بأكملها كانت تمتد أمامي، بينما كانت الشمس تغرب ببطء خلف الجبال.
وادي كاتماندو وما بعده
بعد أيام من التجول في العاصمة، قررت أن أستكشف وادي كاتماندو. زرت مدينتي باتان وباكتابور، وهما من أقدم المدن في البلاد. الأزقة الضيقة والمعابد الخشبية المنحوتة أعادتني إلى قرون مضت.
لكن أكثر ما أثر فيّ كان زيارتي لقرية باناوتي. هناك شعرت أن الزمن يسير ببطء مختلف. الناس يعيشون ببساطة، والحقول تحيط بالبيوت، والأطفال يلعبون في الطرقات الترابية.
في تلك القرية فهمت معنى قول الكاتب النيبالي بي. بي. كويرالا: “القرية ليست مكانًا نعود إليه، بل الجذر الذي نحمله معنا أينما ذهبنا.”
الرحلات في جبال الهيمالايا
لا يمكن زيارة نيبال دون التفكير في الرحلات الجبلية. جبال الهيمالايا ليست مجرد سلسلة جبال؛ إنها عالم كامل من المغامرات. أشهر المسارات هو مسار أنابورنا الذي يستغرق نحو ثمانية عشر يومًا.
أنا اخترت رحلة أقصر إلى بون هيل، حيث يمكن مشاهدة شروق الشمس فوق القمم الثلجية. عندما ظهرت الشمس ببطء خلف الجبال، شعرت أن العالم كله يصمت احترامًا لذلك المشهد.
ومن مدينة بوخارا، التي تقع على ضفاف بحيرة جميلة، تنطلق معظم الرحلات الجبلية. المدينة هادئة ومثالية للاسترخاء قبل أو بعد المغامرات في الجبال.
تجربة فريدة
كثير من المسافرين يقصدون منتزه تشيتوان الوطني لرؤية الحيوانات البرية. لكنه مكان مزدحم بالسياح، وفرص رؤية النمور فيه ليست كبيرة.
لذلك قررت أن أذهب أبعد، إلى منتزه برديا الوطني، رغم أن الرحلة استغرقت قرابة عشرين ساعة بالحافلة. كان الطريق طويلاً ومتعبًا، لكنه منحني واحدة من أروع التجارب في حياتي.
هناك، في قلب الغابة، تمكنت بالفعل من رؤية النمور في بيئتها الطبيعية. كانت لحظة نادرة جعلتني أشعر بأنني جزء صغير من عالم بري واسع.
في تلك اللحظة تذكرت قول الحكيم النيبالي أناندا كوتي: “حين تقترب من الطبيعة بما يكفي، تكتشف أنك لم تغادرها يومًا.”
وهكذا انتهت رحلتي في نيبال، لكنها في الحقيقة لم تنتهِ في داخلي. فبعض الأماكن لا تغادرنا أبدًا، ونيبال بالتأكيد واحدة من تلك الأماكن.

