على حافة العالم بين جليد الأرض ونارها

تشيلي… تلك البلاد التي بدت لي أول مرة وكأن اسمها يُنطق همسًا بين الريح والمحيط: ششييلليي بلد النجمتين الكرويتين مارسيلو سالاس وإيفان زامارانو نجمي نهائيات كأس العالم 98، بلد الصحراء والضباب والجزر والكهوف وأكبر مسبح في العالم بمدينة سان ألفونسو، وبلد الأسئلة التي لا تنتهي. لم تكن ضمن وجهاتي الأولى، بل كانت أشبه بنداء خافت في أقصى جنوب العالم، نداء لا يسمعه إلا من اعتاد أن يسافر بحثًا عن المعنى لا عن المكان، اخترت تشيلي بعد زيارتي الخاطفة للأرجنتين، وكأن الرحلة كانت امتدادًا لسؤال لم يكتمل هناك.

أنا مغربي اعتاد أن يضع قدميه على تخوم القارات، لكن هذه المرة اخترت أن أذهب أبعد من ذلك إلى حيث تنتهي الخرائط. انطلقت رحلتي عبر الرحلة الجوية AT971 على متن الخطوط الملكية المغربية من الدار البيضاء إلى مدريد عند الساعة 11:20 صباحًا، ومنها على متن الرحلة IB6833 عبر الخطوط الإيبيرية نحو سانتياغو في تمام الساعة 23:55، رحلة طويلة امتدت لأكثر من 13 ساعة عبر الأطلسي، كأنها عبور رمزي من عالم إلى آخر.

كنت أعلم، وأنا أراقب خيط الضوء فوق الغيوم، أنني لا أذهب إلى بلد عادي… كنت ذاهبًا إلى فكرة، إلى بلد يشبه سؤالًا جغرافيًا ممتدًا على حافة الأرض.

إن السياحة في تشيلي ليست مجرد تنقل بين مدن، بل تجربة وجودية فريدة. فهي تُعرف بـ”أرض الثلج” لما تضمه من سلاسل جبلية جليدية شاسعة، وفي الوقت ذاته “أرض النار” بسبب انتشار البراكين التي تمنحها طابعًا دراميًا نادرًا. هذا التناقض ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو جوهر الهوية التشيلية: بلد يجمع بين أقصى البرودة وأشد الغليان، بين السكون والانفجار.

تُعد تشيلي من أجمل الوجهات السياحية في العالم، حيث يجد الزائر نفسه متنقلاً بين عوالم متعددة في رحلة واحدة: من الصحارى القاحلة إلى الأنهار الجليدية، ومن المدن النابضة بالحياة إلى الجزر الأسطورية. إنها بلاد تُخاطب العائلات والأطفال كما تُغري المغامرين والشباب.

تشيلي ليست دولة بالمعنى التقليدي، بل شريط طويل من التناقضات. تمتد كجملة شعرية على الحافة الغربية لأمريكا الجنوبية، من صحراء أتاكاما—الأكثر جفافًا في العالم—إلى جليد باتاغونيا حيث يصبح الصمت لغة.

هنا تذكرت قول الشاعر التشيلي بابلو نيرودا: “يمكنك أن تقطف كل الزهور، لكنك لن تستطيع إيقاف زحف الربيع.” وكانت تشيلي نفسها هذا الربيع—عنيدة، متناقضة، حية رغم كل شيء.

حين وصلت إلى سانتياغو، أدركت أن المدينة ليست مجرد عاصمة، بل نقطة توازن بين الطبيعة والحداثة. تحيط بها القمم الجليدية، وتنبض أحياؤها البوهيمية بالحياة، حيث الموسيقى والفن والاحتفال. إنها مدينة تمنحك شعورًا بأنك تعيش في أكثر من زمن في آنٍ واحد.

من بين أبرز معالم الرحلة، كانت حديقة توريس دل باينه، التي تُعد من أجمل الأماكن لعشاق الطبيعة. أنهار جليدية، بحيرات صافية، ومسارات مشي تجعل الإنسان يعيد اكتشاف ذاته. هناك، يصبح المشي تأملًا، والصمت حوارًا داخليًا عميقًا.

في الشمال، زرت صحراء أتاكاما، حيث يختبر الإنسان معنى الفراغ. لكنها ليست فراغًا حقيقيًا، بل امتلاء من نوع آخر: كثبان، بحيرات، وحياة برية نادرة. هناك، يمكنك ركوب الدراجات أو تسلق الجبال، لكن الأهم هو أن تتعلم كيف تصغي للصمت.

أما جزيرة الفصح، فكانت تجربة مختلفة تمامًا. تماثيل “الموآي” الصامتة تقف كحراس للتاريخ، تروي أساطير لا تُقال بالكلمات. مياهها الصافية تشبه الكريستال، لكنها تخفي في عمقها أسرار حضارة لا تزال لغزًا.

اخترت أن أبدأ رحلتي الحقيقية من الجنوب، من القرى التي تبدو وكأن الزمن نسيها. بيوت خشبية مائلة، مغطاة بالقرميد، تتشبث بالأرض كما يتشبث الحنين بالذاكرة. هناك، استقللت قاربًا صغيرًا يشق نهرًا صامتًا، حيث الأشجار الغارقة تبدو كأشباح.

كان المشهد أقرب إلى حلم ثقيل… ضباب كثيف، جذوع بلا أوراق، وماء يعكس الغياب. علمت أن زلزالًا دمّر هذه الغابة، وكأن الطبيعة أعادت كتابة تاريخها بنفسها.

في تلك اللحظة، أدركت أن السفر ليس انتقالًا في المكان فقط، بل مواجهة مع هشاشة العالم.

في أرخبيل تشيلوي، وقفت على “رصيف الضوء”، ذلك الممر الذي ينتهي إلى اللاشيء. لا نهاية، فقط محيط لا نهائي.

هناك، تتداخل الأسطورة مع الواقع. يقال إن الأرواح تعبر من هنا إلى العالم الآخر. تذكرت قول الشاعرة غابرييلا ميسترال: “أينما ذهبت، خذ قلبك معك.” لكنني شعرت أنني تركت جزءًا من قلبي هناك.

الدلافين تقفز أمام القوارب، الفقمات تستريح على الصخور، والأنهار الجليدية تلمع في الأفق. مشهد يجعل الإنسان يدرك أن الطبيعة ليست مجرد خلفية، بل كائن حي يتنفس.

في شبه جزيرة ريلان، شاهدت مشروعًا يعيد إحياء منازل عمرها أكثر من قرن. ثقافة الخشب هنا ليست مجرد عمارة، بل أسلوب حياة مهدد بالاندثار.

وهنا يتجلى الصراع الأبدي: هل نحافظ على الماضي أم نندفع نحو المستقبل؟ كما قال سلفادور أليندي: “التاريخ ملك للشعوب، وهي التي تصنعه.”

جسر جديد سيربط الجزيرة بالعالم. البعض يراه أملًا، والبعض يخشاه. أما أنا، فرأيته سؤالًا: هل القرب دائمًا نعمة؟ أم أن العزلة تحفظ نقاء الأشياء؟

حين عدت الى المغرب، لم أعد الشخص نفسه. تشيلي لم تكن مجرد رحلة، بل تجربة وجودية عميقة. علمتني أن العالم لا يُقاس بالمسافات، بل بعمق ما يتركه فينا.

تشيلي… ليست فقط نهاية العالم، بل ربما… بدايته من جديد.

no
no

لقد ساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال

اختار المشارك أن يبقى مجهولًا.

المعلومات المقدمة حول هذا الموضوع ليست بديلاً عن المشورة المهنية ، ويجب عليك استشارة أحد المتخصصين المؤهلين للحصول على مشورة محددة تتناسب مع وضعك. بينما نسعى جاهدين لضمان دقة المعلومات المقدمة وحداثتها ، فإننا لا نقدم أي ضمانات أو إقرارات من أي نوع ، صريحة أو ضمنية ، حول اكتمال أو دقة أو موثوقية أو ملاءمة أو توفر المعلومات أو المنتجات أو الخدمات أو ما يتعلق بها الرسومات الواردة لأي غرض من الأغراض. أي اعتماد تضعه على هذه المعلومات يكون على مسؤوليتك الخاصة. لا يمكن أن نتحمل المسؤولية عن أي عواقب قد تنجم عن استخدام هذه المعلومات. يُنصح دائمًا بالحصول على إرشادات من محترف مؤهل.