مملكة بوتان – السعادة فوق الغيوم

في مملكة بوتان، أرض التنين الرعدي، تُعدّ السعادة قضية وطنية، وتخلو الشوارع من إشارات المرور، بينما يُعتقد أن الأرواح تسكن قمم جبال الهيمالايا.

على الرغم من أن بوتان ليست دولة غنية من الناحية المادية، فإنها غنية بأناس راضين. هنا يُسعى إلى تحقيق توازن بين الروحانية والمادية، ويُعدّ احترام الطبيعة والثقافة والإنسان أكثر أهمية من السعي وراء السلطة والمال.

فالمملكة البوتانية، المتربعة في قلب جبال الهيمالايا، والمحتمية بأسوارها الجبلية الضبابية، تبدو كاستثناء تاريخي وسياسي وثقافي بين قوتين عملاقتين هما الصين والهند.

تشكّلت بوتان تحت تأثير البوذية الماهايانا منذ القرن الثامن، وتأثرت بشكل كبير بجارتها التبت. ولزمن طويل، لم تكن سوى مجموعة متفرقة من الممالك الصغيرة المنعزلة داخل وديانها. وقد توحدت لأول مرة في القرن السابع عشر على يد راهب تبتي، ثم مرة ثانية عام 1907 على يد سلالة وانغتشوك الحاكمة حاليا. وظلت لفترة طويلة بعيدة عن التأثيرات الخارجية، قبل أن تقرر — بشكل متحفظ — الانفتاح على السياحة عام 1974.

وقد تسارعت هذه العملية منذ بداية الألفية الجديدة، لكن بوتان لا تزال تعتمد نموذجًا سياحيًا شديد التنظيم وذو عائد مالي مرتفع. إذ يخضع كل زائر لحد أدنى من الإنفاق اليومي يبلغ 250 دولارًا أمريكيًا. وتهدف الدولة من خلال ذلك إلى تحقيق التوازن بين التنمية والحفاظ على خصوصيتها، وهو ما تجسده فلسفة «السعادة الوطنية الإجمالية».

تُعرف بوتان بأنها واحدة من آخر المحميات الطبيعية من حيث التنوع النباتي والحيواني. وهي آخر دولة في العالم سمحت بدخول التلفزيون إلى أراضيها، وآخر دولة اتصلت بالإنترنت.

كما أنها بلد «غير مدخن»، حيث يُعد تدخين أي نوع من التبغ غير قانوني (على الرغم من أنني رأيت في داخل البلاد نباتات قنب برية على أطراف الحقول). ويُعد التدخين مكلفًا جدًا، سواء بالنسبة للبائع (بشكل غير قانوني) أو للمستهلك.

لكل هذه الأسباب، كنت أحلم منذ نحو ثلاثين عامًا بزيارة بوتان، باعتبارها نوعًا من تحقيق إنجاز في حياتي كمسافر كثير الترحال.

ومن ناحية أخرى، لا يمكن تنظيم الرحلة بشكل مرتجل عند الوصول. فلكي تحصل على تأشيرة دخول إلى الأراضي البوتانية (إذا لم تكن مولودًا في المناطق المجاورة للهند)، يجب عليك بالضرورة المرور عبر وكالة سفر محلية معتمدة من قبل الحكومة، والتي تفرض حدًا أدنى من الإنفاق اليومي، يجب دفعه مسبقًا حتى قبل الحصول على التأشيرة.

انطلقت الطائرة من دلهي قبل ساعة ونصف، وهي الآن تحلّق فوق بساط كثيف من السحب، ناعم الملمس، يبدو شبه صلب. ومن هذا المحيط الأبيض، تبرز أربع منارات من الجهة اليسرى للمقصورة: أربعة من أعلى خمسة قمم في العالم؛ كانغشينجونغا (8586 م) في المقدمة، وخلفها ماكالو (8485 م)، ولوتسي (8516 م)، وإيفرست (8848 م). رباعية مهيبة حقًا.

بعد فترة، تبدأ طائرة «دروكير» (التنين الطائر) بالهبوط عبر انعطاف طويل بزاوية 180 درجة على الجناح الأيسر، استعدادًا للدخول في المسار المتعرج لوادي بارو. جبال مكسوة بالكامل بأشجار الصنوبر ترتفع على اليسار، وعلى اليمين، وأمام الطائرة أيضًا.

الممر ضيق، وطائرة الإيرباص A319، التي تفقد ارتفاعها بسرعة، مضطرة لاتباع تعرجات نهر بارو. ومن نافذة الطائرة تظهر منحدرات صخرية تقترب أكثر فأكثر، وبيوت متناثرة تعلوها أسقف تشبه المعابد، وأخيرًا رقعة من حقول الأرز المتدرجة بألوان بين البني والأخضر الفاتح. انعطاف أخير إلى اليسار، ثم إلى اليمين ثم الهبوط.

هل هذا معبد؟ لا، إنه المطار، بمبانيه الطويلة المطلية بالجير، والمزينة بنوافذ وشرفات خشبية تحمل نقوشًا تقليدية. مرحبًا بك في بوتان.

أمام مبنى الوصول، ينتظر المرشدون السياحيون المعتمدون لاستقبال زبائنهم القادمين حديثًا. وهنا تبدأ أولى خطوات اكتشاف بلد فريد من نوعه.

على الرغم من صف سيارات الدفع الرباعي الكبيرة المصطفّة، يبدأ الإحساس بالسفر عبر الزمن فورًا. ففي بوتان، لا يُعد احترام التقاليد مجرد شعار فارغ. إذ يفرض الدستور ارتداء الزي التقليدي على المرشدين السياحيين، والسائقين، والمعلمين، وموظفي الإدارة من الساعة 9 صباحًا حتى 5 مساءً! ترتدي النساء الكيرا (تنورة) والونجو (بلوزة)، وغالبًا ما تكون من الحرير، بينما يرتدي الرجال الغو (وهو أشبه بالكيمونو)، مع جوارب طويلة.

وعلى بعد أقل من خمس دقائق من المطار، يتعمق هذا الشعور بالعودة إلى الماضي. إذ يطلّ على الوادي، من فوق ربوة مرتفعة، مبنى ضخم يذكّر بقصر بوتالا التبتي الأسطوري، ويتفوّق بهيبته على المدينة: إنه دزونغ بارو، أي الدير-الحصن، الذي أُعيد بناؤه عام 1646 وفق نموذج تكرر في كل واحدة من ممالك الوديان الثمانية عشر التي اتحدت في القرن السابع عشر لتشكّل بوتان.

في الجهة العليا، تفتح بوابة ضخمة مزينة بتنانين ذهبية على ممر يحرسه من جانب أربعة حماة يمثلون الجهات الأربع، ومن الجانب الآخر تقف شخصيات “الأصدقاء الأربعة” الودودة: طائر فوق أرنب فوق قرد فوق فيل، وهي رموز للتعاون والتكافل.

وفي عمق الساحة المغطاة بالخشب، داخل قاعة المعبد الرئيسية، يردد رهبان صغار بملابسهم الحمراء تراتيلهم وهم يتمايلون إلى الأمام والخلف. أحدهم يغفو نصف غفوة، وآخر يتناول خفية حبة جوز التنبول ليضعها سريعًا في فمه. الجدران مغطاة بستائر صفراء، ومن السقف تتدلى رايات متعددة الألوان.

تُعدّ بارو المركز الحيوي في بوتان، حيث لا تتجاوز المدينة شارعًا رئيسيًا وشارعين متوازيين، تصطف على جانبيها مبانٍ بيضاء متشابهة ذات نوافذ خشبية منقوشة ومزخرفة. أضف إلى ذلك ساحة صغيرة تتوسطها مجموعة من عجلات الصلاة الكبيرة، وسوقًا بسيطًا يهيمن عليه الفلفل الحار.

وعلى بُعد بضع كيلومترات، يأخذك معبد كييتشو لاخانغ، المحاط بحقول الأرز، في رحلة إلى القرن السابع. ووفقًا للأسطورة، فهو واحد من 108 معابد (وهو رقم مقدس) بُنيت في ليلة واحدة على يد ملك تبتي، بهدف إخضاع غولة كانت تسدّ جبال الهيمالايا بجسدها، ويُقال إن هذا المعبد بُني فوق كاحلها الأيسر، بينما شُيّد قصر بوتالا في لاسا فوق قلبها.

وفي فناء صغير ساحر، تتمايل الأجراس الهوائية بين أربع شجرات من اليوسفي ونباتات مزروعة في أوانٍ. هناك، تقف تماثيل أسود الجبال ذات الألسنة المشقوقة في مواجهة تنانين ذهبية دقيقة الزخرفة. وفي الداخل، يجلس تمثال الملك التبتي في وقار إلى جانب تمثال بوذا الرحمة. أما في الحرم الرئيسي، الذي يمكن رؤيته عبر نافذة صغيرة، فيجلس بوذا المستقبل محاطًا ببوديساتفات- وهو مصطلح في البوذية يُطلق على الكائن الذي بلغ درجة عالية من الحكمة والتنوير، لكنه يختار تأجيل دخوله النهائي في حالة “النيرفانا” (التحرر الكامل) من أجل مساعدة جميع الكائنات الحية -في طريقهم نحو التنوير.

وعلى الضفة المقابلة لنهر بارو تشو، يظهر معبد دونغتسي لاخانغ (القرن الخامس عشر) بشكل غير مألوف، إذ يأخذ هيئة “تشورتن” (ستوبا) وهو بناء ديني بوذي يُستخدم كمعلم مقدس للتأمل والعبادة. ويغرق المعبد في الظلام، حيث يتم الدخول إليه باستخدام مصباح يدوي، لتكتشف سلسلة لا تنتهي من الجداريات الممتدة على ثلاثة طوابق، تربط بينها سلالم خشبية. وتُصوَّر في هذه الجداريات العديد من تماثيل بوذا، والإلهين الحاميين والمدمرين ماهاكالا وماهاكالي، إضافة إلى الراهب الحداد التبتي الذي قام ببناء هذا المعبد.

في عام 2011، وبعد الخطوة الحديثة التي شهدتها بوتان مؤخرًا، قررت بلدية تيمفو الابتكار بوضع إشارة مرور في وسط المدينة. لكن رد الفعل كان فوريًا: تمرد حقيقي. إشارة مرور؟ وما التالي؟ وفي اليوم التالي مباشرة، رضخت السلطات وأعادت “شرطي الصندوق” إلى السكان. ولا يزال هناك حتى اليوم، بزيه الأنيق مع الجوارب الطويلة والقفازات البيضاء، واقفًا في كشكه المزخرف عند تقاطع شارعي نورزين لام وهوغدزين لام، يؤدي حركاته بتناغم يشبه راقصة باليه على الطريقة الماوية.

وعلى بعد 50 مترًا فقط، تقف “ساعة المدينة” ذات الطابع الجبلي، شبيهة بساعات منطقة فرانش-كونتيه -في شرق فرنسا، على الحدود مع سويسرا- تدق الساعات في ساحة تبدو أوسع من اللازم، حيث يلعب الأطفال كرة القدم، ويتواعد العشاق.

وعند متابعة السير في الشارع، يظهر “التشورتن الكبير”: ورغم مظهره القديم، فإنه حديث نسبيًا (بُني عام 1974). هذا الستوبا الضخم على الطراز التبتي تعلوه قمة ذهبية مزخرفة، تحيط به بوابات مماثلة. ويقوم كبار السن القادمون من الجبال بالدوران حوله باستمرار، مرددين التراتيل بإخلاص، فالنبرة مهمة لكسب الثواب. بل إن بعضهم يجلس بجانب عجلات الصلاة الخمس الضخمة المطلية بالذهب، والمحفور عليها الشعار الشهير “أوم ماني بادمي هوم”، وهو تعبير عن الرحمة العظمى.

ومن هناك، تنحدر الطريق نحو ضفاف نهر وانغ، حيث يقع ميدان الرماية. وتُعد رياضة الرماية بالقوس والنشاب الرياضة الوطنية في بوتان، وتمارس هنا بالطريقة التقليدية باستخدام أقواس وسهام من الخيزران. والتحدي ليس بسيطًا، إذ تقع الأهداف على مسافة 140 مترًا، أي ضعف المسافة المعتمدة في الألعاب الأولمبية.

تم تدشين تمثال بوذا دوردينما عام 2015 والذي يجلس فوق الجبل كأنه إمبراطور أرواح بلدٍ بأكمله. بعد عقدٍ من الأشغال (لم تكتمل تمامًا)، ويبلغ ارتفاعه 59 مترًا (بما في ذلك القاعدة)، متجسدًا في هيبة ممزوجة بلطف. صُنع هذا التمثال الضخم من البرونز المطلي بالذهب، وقد موّله بنسبة 50٪ زوجان ثريان من سنغافورة، استجابةً لنبوءة قديمة جدًا كانت قد بشّرت بظهوره.

وتحت هذا التمثال المهيب لبوذا شاكياموني (بوذا الرحمة)، يضمّ المعبد في داخله 125 ألف تمثال صغير لبوذا، يتراوح ارتفاعها بين 20 و30 سنتيمترًا، وكلها متطابقة بدقة. وفي الوسط، ينحني الزوار أمام بوذا ذي الوجوه الأربعة. وتفوح في المكان رائحة الزبدة المعتّقة، إذ يُقدَّم له يومًا بعد يوم الحليب وكعكات طقسية مزينة بزبدة ملوّنة.

وعلى الطرف الآخر من العاصمة، يقف دزونغ تاشي تشو، الدير-الحصن في تيمفو (1641)، وهو مقر الدولة، حيث يعيش نحو 200 راهب إلى جانب عدد من الموظفين الحكوميين. ويقيم فيه صيفًا “جي خيمبو”، أعلى سلطة دينية في البلاد، متقاسمًا المكان مع المكاتب الملكية ووزارتي الداخلية والمالية. فلا وجود لفصل بين الدين والدولة في بوتان! أما الملك، فيقيم على مقربة، في قصر متواضع من خمس أو ست غرف، محاط بالخضرة.

ويمكن زيارة هذا الدزونغ لفترة قصيرة بعد ساعات العمل، وهو أكبر حتى من دزونغ بارو، ويبدو وكأنه بُني لعملاق. ورغم أنه يضم أكثر من ثلاثين مزارًا دينيًا، فإن واحدًا فقط منها مفتوح للزوار، وهو معبد تصطف فيه ثلاثة عروش باللونين الذهبي والأحمر عند أقدام تمثال ضخم لبوذا شاكياموني.

بعد تجاوز دير سيمتوخا العريق، وهو أول دزونغ بُني بعد توحيد البلاد عام 1629، تبدأ الطريق نحو بوناخا بالتلوّي عبر سلسلة طويلة من المنعطفات الحادة. وتظهر هنا وهناك قرى متناثرة، تحيط بها الغابات والمدرجات الزراعية التي تزهر فيها أشجار التفاح.

وعلى ارتفاع 3150 مترًا، يُعلن ممر دوشولا عن نفسه عبر صف من 108 ستوبات (تشورتن) تعلوها ألواح حجرية ثقيلة. وفي الأيام الصافية، يكشف المشهد خلفها عن بانوراما خلابة لسلسلة جبال الهيمالايا، تتصدرها قمم مغطاة بالثلوج مثل “تيبل ماونتن” (7094 م) وقمة غانغكار بوينسوم، أعلى قمة في البلاد (7570 م) وأعلى جبل غير مُتسلَّق في العالم، إذ يُحظر تسلق الجبال هنا (لأن في اعتقادهم الجبال تسكنها الأرواح).

أما النزول، فهو أطول من الصعود، باتجاه وادي نهر بوناتسانغ المنخفض (1300 م)، حيث المناخ أكثر اعتدالًا في قلب بوتان. وحول منطقة سوبسوخا، تتناوب المدرجات الزراعية بين حقول الأرز صيفًا والقمح شتاءً، الذي يُدرس بالطريقة التقليدية.

وعبر الحقول، يصل المرء إلى معبد تشيمي لاخانغ المتواضع، المرتبط بذكرى “المجنون الإلهي” (1455–1570)، وهو راهب اشتهر بأسلوبه غير التقليدي في نشر تعاليم بوذا، من خلال حياته غير النمطية التي تضمنت الاحتفال بالحياة والتمرد على الأعراف.

وتقصد هذا المعبد نساء يرغبن في الإنجاب، حيث يرددن التراتيل أمام تمثاله ذي الشارب الرفيع، ممسكًا برمز خشبي كبير يُجسّد الخصوبة. وقد امتد هذا الرمز، الذي يُعتبر وسيلة للحماية من الأرواح الشريرة، إلى واجهات منازل القرية ومناطق واسعة من وسط بوتان.

يمتد جسر معلق طويل، ترفرف عليه أعلام الصلاة، عابرًا النهر ليقود إلى مسار زلق وسط أشجار الشوكران والسرو. وبعد نحو 30 دقيقة من المشي، يصل الزائر إلى تشورتن خامسون يولّي نامغيال، القابع على مصطبة على امتداد أحد التلال. ومن الأسفل، تنحدر مدرجات زراعية كالشلال نحو مجرى النهر، لترسم ملامح الوادي بشكلٍ أخّاذ.

وفي عمق هذا الوادي، تقع مدينة بوناخا الصغيرة، التي كانت العاصمة التاريخية للمملكة حتى عام 1955، كما أنها موقع تتويج ملوكها.

ويقوم دزونغ بوناخا الضخم، المعروف باسم “قصر السعادة العظمى”، كمقر شتوي للسلطة الدينية العليا (الجي خيمبو) ونحو 230 راهبًا، عند ملتقى نهري مو تشو وفو تشو، أي “النهر الأنثوي” و”النهر الذكري”، وهو موقع مبارك شهد انتصارًا بوتانيًا على القوات التبتية.

ويُعد هذا الدير-الحصن مدرجًا على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو، ويبرز في أواخر الربيع بأزهار الجاكاراندا البنفسجية التي تتفتح عند سفوح جدرانه العالية. ويصل الزائر إليه عبر جسر خشبي مغطى، ثم صعود درج شديد الانحدار.

داخل هذا البناء المستطيل (180 مترًا × 72 مترًا)، تنتظم ثلاث ساحات، تتوسط الأولى ستوبا وشجرة تين مقدسة. أما البرج المركزي (الأوتسي)، فيرتفع إلى أكثر من 100 متر. وفي عمق المجمع، يحتفظ المعبد الرئيسي برفات مقدسة، من بينها الجسد المحنط لشابدروغ نغاوانغ نامغيال، موحّد بوتان.

ويصطف الرهبان في مشهد جمالي على منصاتهم بين الأعمدة الخشبية المزخرفة بالذهب، فيما تتردد أصوات تراتيلهم العميقة في الأرجاء، ممزوجة برنين الأجراس ودويّ الصنوج.

العودة إلى نقطة البداية. رغم أن موقعه قريب من بارو، فإن زيارة دير عشّ النمر (تاكتسانغ) — الأكثر روعة في البلاد، والذي يعود إلى عام 1694 — تكون عادة في نهاية الرحلة.

وتقول الأساطير، المرتبطة بعمق بالوجدان البوتاني، إن هذا المكان يرتبط بالقديس المبجل بادماسامبهافا، المعروف أيضًا باسم “غورو رينبوتشي”، الذي نشر البوذية في التبت وبوتان في القرن الثامن. ولم يصل هذا الحكيم بطريقة اعتيادية، بل على ظهر نمرة طائرة! وقد اعتكف هناك داخل كهف لمدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر وثلاثة أسابيع وثلاثة أيام وثلاث ساعات، حتى تمكن من طرد الأرواح الشريرة.

والوصول إلى دير تاكتسانغ، الذي يقع على ارتفاع 2950 مترًا على جانب جرف صخري، على ارتفاع 800 متر فوق وادي بارو، ليس بالأمر السهل. وغالبًا ما يعتمد الزوار من الهند والصين على البغال والخيول. ولتفادي السير البطيء خلفها، يمكن سلوك مسارين شديدي الانحدار يخترقان غابات الصنوبر وأشجار الرودودندرون العملاقة، التي تتفتح أزهارها في شهر أبريل. وعلى طول الطريق، يمكن رؤية تماثيل صغيرة من الطين تُسمى “تساتسا”، وهي قرابين دينية على شكل ستوبا صغيرة، موضوعة تحت نتوءات صخرية.

ويتكون دير “عش النمر” من أربعة معابد صغيرة مبنية جزئيًا داخل الصخر، ومكدسة فوق بعضها. وقد نجا المعبد الرئيسي، الواقع في الأسفل، من الحريق الكبير الذي اندلع عام 1998 بسبب مصباح زبدة أسقطه جرذ. وفي اليوم العاشر من الشهر القمري العاشر، تُفتح بوابته البرونزية المزخرفة بالذهب لتكشف عن الكهف المقدس الذي تأمل فيه غورو رينبوتشي، بحضور أساتذة البوذية. إنها لحظة ينتظرها الجميع بشغف كبير.

ومنذ عام 2010، أصبحت سعادة السكان تُقاس بشكل فعلي من خلال مؤشر “السعادة القومية الإجمالية”. ويُعد هذا المؤشر بديلاً عن الناتج المحلي الإجمالي الذي اعتمده ملك بوتان. فبدلاً من الاعتماد فقط على الأرقام الاقتصادية وقطاع الخدمات، يأخذ هذا المؤشر في الاعتبار معايير أوسع، مثل الاستخدام المستدام للموارد، والتنمية الاجتماعية، والتوزيع العادل للثروات، وحماية القيم الثقافية. وبذلك يُستخدم هذا المؤشر لقياس رفاهية الشعب البوتاني.

وقد أرسى الملك الرابع، جيغمي سينغي وانغتشوك، هذا التوجه، حيث حرص على أن تراعي الاقتصاديات البوتانية القيم البوذية التقليدية وحماية البيئة، حتى لو كان ذلك على حساب النمو الاقتصادي السريع.

ومنذ عام 2006، تولّى ابنه، جيغمي خيسار نامغيل وانغتشوك، هذه المسؤولية، واستمر في إدارتها بحكمة. وبعد أن كانت بوتان معزولة عن العالم الخارجي لقرون، بدأت تنفتح تدريجيًا على السياحة، حيث يزورها نحو 30 ألف سائح سنويًا.

وفي عام 1999 دخل التلفاز لأول مرة إلى البلاد، وتبعه الهاتف المحمول في عام 2004. ورغم أن التقدم وصل إلى بوتان، فإنه يسير بوتيرة بطيئة ومدروسة، حيث تعمل الحكومة على تنظيم تأثير الغرب لضمان عدم المساس بسعادة الفرد.

أصبحت بوتان منذ عام 2008 دولة ديمقراطية، ولم يكن هذا التحول نتيجة مطالب شعبية، بل جاء بقرار من الملك نفسه.

إن حلم السعادة بعيدًا عن قيود الصناعة وثقافة الاستهلاك الغربية هو ما تعد به بوتان. هذه المملكة الواقعة بين الهند والصين نجحت في الحفاظ على استقلالها وسحرها الخاص، وربما تكون، رغم بساطتها أو بسببها، متقدمة على بقية دول العالم في كثير من الجوانب.

no
no

لقد ساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال

اختار المشارك أن يبقى مجهولًا.

المعلومات المقدمة حول هذا الموضوع ليست بديلاً عن المشورة المهنية ، ويجب عليك استشارة أحد المتخصصين المؤهلين للحصول على مشورة محددة تتناسب مع وضعك. بينما نسعى جاهدين لضمان دقة المعلومات المقدمة وحداثتها ، فإننا لا نقدم أي ضمانات أو إقرارات من أي نوع ، صريحة أو ضمنية ، حول اكتمال أو دقة أو موثوقية أو ملاءمة أو توفر المعلومات أو المنتجات أو الخدمات أو ما يتعلق بها الرسومات الواردة لأي غرض من الأغراض. أي اعتماد تضعه على هذه المعلومات يكون على مسؤوليتك الخاصة. لا يمكن أن نتحمل المسؤولية عن أي عواقب قد تنجم عن استخدام هذه المعلومات. يُنصح دائمًا بالحصول على إرشادات من محترف مؤهل.