كانت شركة Air France تُسيّر رحلة يومية من باريس إلى Atlanta ثم إلى Ciudad Guatemala، بالشراكة مع .Delta Air Lines وكانت Aeroméxico تُوفّر ثلاث رحلات يوميًا من باريس إلى Mexico City، ثم رحلتين يوميًا إلى سيوداد غواتيمالا مع الشركة البنمية .Copa Airlines أما Iberia، فكانت تُسيّر ثلاث رحلات أسبوعيًا إلى سيوداد غواتيمالا، مرورًا بـ Madrid ثم مكسيكو. وكان العثور على تذكرة طيران إلى غواتيمالا بداية الرحلة نحو المجهول. وبالنسبة لي فقد كانت الرحلة أسهل بكثير لأنني انطلقت لغواتيمالا بعد نهاية رحلتي من المكسيك وذلك عبر شركة الطيران Copa Airlines.
مدينة أنتيغوا: تحت البراكين
ما اسم عاصمة غواتيمالا؟ في الحقيقة، قلّما يحفظ الناس اسمها، لأنها تُدعى ببساطة، مدينة غواتيمالا. وبما أن سمعتها ليست مطمئنة كثيرًا من ناحية الأمن، فالأفضل أن أغادر مطار لا أورورا على متن حافلة صغيرة مباشرة نحو أنتيغوا، الواقعة على بعد 45 كيلومترًا إلى الغرب.
العاصمة الثقافية للبلاد، والمُدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، هي — كما يدل اسمها — مدينة عتيقة جدًا. أسّسها الإسبان سنة 1543، وكانت أنتيغوا تهيمن على كامل المنطقة الممتدة من تشياباس إلى بنما خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، قبل أن تُدمّرها زلازل سنة 1773، فتفقد في الوقت نفسه مكانتها كعاصمة.
بعمارتها الاستعمارية، وأحجار شوارعها غير المتناسقة، وأفنيتها المزهرة، تبدو المدينة أكثر مهابة، خصوصًا حين تجد نفسك فجأة، عند منعطف أحد الأزقة، تحت وطأة الكتلة المهيبة لثلاثة براكين: أغوا، وفويغو، وأكاتينانغو الذي يبلغ ارتفاعه 3976 مترًا.
أنا “تحت البراكين”، في استعارة عنوان الكتاب الشهير لـ مالكولم لوري. وهذا وحده كفيل بأن يخلق أجواءً خاصة. وفي هذا السياق، إن كان هناك وقتٌ مفضّل لزيارتها، فهو أسبوع الآلام، حيث الحماسة الدينية والمواكب في كل مكان.
في الشوارع، التي تُغطّى بسجاد من نشارة الخشب الملوّنة والمزيّنة برسوم الفواكه والزهور، يحمل الرجال، مرتدين الأثواب، تماثيل ثقيلة للمسيح والعذراء، على إيقاع فرق نحاسية والطبول.
ولا غرابة في ذلك، فالمدينة — كما قد نتوقع — تعجّ بالكنائس والأديرة، إرثًا غزيرًا من الحقبة الاستعمارية الإسبانية.
رحلة عبر الزمن: أنتيغوا – غواتيمالا – دير سانتا كلارا
أول ما يخطر ببالك عند الوصول إلى أي مكان، هو التوجّه إلى الحديقة المركزية، القلب النابض للمدينة. وأنتيغوا لا تشذّ عن هذه القاعدة.
من الجهة الشرقية، ترتفع الكاتدرائية الباروكية، التي بقيت غير مكتملة بسبب الزلازل، كواجهة مسرح لا تضم اليوم سوى أطلال.
وحول الساحة، كنيسة سان فرانسيسكو (القرن السادس عشر)، بأعمدتها السليمانية (الملتوية) المحفوظة بشكل رائع، حيث يوجد قبر بيدرو سان خوسيه دي بيثنكورت. هذا الكاهن الفرنسيسكاني، الذي قدّسه البابا يوحنا بولس الثاني، أسّس هنا مدرسةً وملجأً للفقراء.
أبعد قليلًا، يرتفع دير لاس كابوشيناس، بقاعة دائرية جميلة وخلايا قديمة كانت تسكنها الراهبات الكابوشيات، اللواتي تخلّين عن الدنيا وعن ممتلكاتهن الشخصية.
وبالقرب منه، تقف كنيسة لا ميرسيد الرائعة، من القرن السادس عشر، بواجهتها المزخرفة بعناقيد العنب المصنوعة من الجص الأبيض على خلفية صفراء. ومن سطحها، يمكن احتضان البراكين الثلاثة بنظرة واحدة.
وبالطبع، هناك الكثير من المباني الدينية الأخرى، مثل دير سانتا كلارا. ولرؤيتها، يكفي أن تتيه في الأزقة المرصوفة بالحجارة، المرسومة على شكل شبكة مربعات. وفي النهاية، عودة إلى الحديقة المركزية لاستراحة مستحقة في مقهى كونديسا.
لكن، انتبه جيدًا لمن يقدّم لك قهوتك السوداء، فقد يكون شبحا متلبسا جسدا. فبحسب الأسطورة، فإن القبطان العام للمملكة، الذي كان يسكن المكان، ضبط ذات يوم كبير خدمه في وضعٍ محرج مع زوجته. وبعد زلزال سنة 1976، عثر البناؤون داخل أحد الجدران على هيكل عظمي واقفًا في وضع عمودي.
القهوة الأمريكية
كانت زيارتي إلى فينكا فيلادلفيا، القريبة جدًا من أنتيغوا، فرصةً للحديث عن إنتاج القهوة في غواتيمالا. فقد ظلّت البلاد طويلًا المنتج الأول في أمريكا الوسطى (قبل أن تتجاوزها اليوم هندوراس) والمنتج السادس أو السابع عالميًا بحسب السنوات.
لقد أُدخلت القهوة إلى البلاد على يد الرهبنة اليسوعية حوالي سنة 1750، وكانت آنذاك مجرد، نبتة للزينة.
وللعلم فالقهوة الغواتيمالية هي التي اختارها رجل يُدعى جورج واشنطن، وهو اسمٌ مطابق لاسم الرئيس الأمريكي لكنه في الحقيقة بلجيكي-أمريكي، ليبتكر أول قهوة فورية أُرسلت إلى جنود الحرب العالمية الأولى. ثم جاءت لاحقًا قهوة نسكافيه لتزيحه عن العرش.
في هذه المزرعة (الـفينكا) الممتدة على 700 هكتار، والتي يبلغ عمرها قرابة 150 سنة، شُرح لي كيف تُزرع قهوة الأرابيكا، المطعّمة بـالروبوستا، يدويًا، شتلةً شتلة، لتصبح أكثر صلابة وتناغم.
وعلمتُ أيضًا أن 90٪ من الإنتاج يُصدَّر إلى الولايات المتحدة، وخاصة إلى مقاهي علامة ستاربكس.
وفي نهاية القرن التاسع عشر، وزّعت “ثورة ليبرالية” الامتيازات الزراعية الكبرى (لاتيفونديوم) على كبار الملاّك، وصادرت في المقابل أراضي السكان الأصليين (الإنديخيناس) بل وأجبرتهم على العمل القسري. وفي سنة 1949، سمح إصلاح زراعي متواضع بولادة التعاونيات.
واليوم، يأتي 40٪ من القهوة الوطنية من صغار المنتجين، لكن المشترين التابعين للشركات الكبرى، ويُعرفون باسم “الكويوتيس”، يحاولون باستمرار زعزعة السوق.
وثمّة ظاهرة أخرى مقلقة: فالتغير المناخي العالمي أجبر المزارعين على غرس القهوة في مرتفعات أعلى فأعلى.
أتيتلان: واحدة من أجمل بحيرات العالم
تقع بحيرة أتيتلان غرب أنتيغوا، على ارتفاع 1550 مترًا، وهي واحدة من أجمل بحيرات العالم.
والتي تبلغ مساحتها 131 كيلومترًا مربعًا، حيث وُلدت قبل 85 ألف سنة، إثر ثورانٍ هائل عُرف باسم لوس تشوكويوس، وصلت رماده حتى فلوريدا، ثم جاءت الأمطار لتكمل الباقي.
واليوم، تحيط بالبحيرة ثلاثة براكين: أتيتلان، وسان بيدرو، وتوليمان، إلى جانب عدد لا يُحصى من القرى التابعة لشعبي الكاكتشيكيل والتسوتوهيل، حيث يتنافس السكان الأصليون في الأناقة بأزيائهم التقليدية.
كان المشهد أشبه بصالة عرض مفتوحة تحت السماء، تُثير غيرة بعض أشهر المصممين بلا شك.
كان معظم السياح يتجهون إلى باناخاتشيل، الملقبة بـ “غرينغوتينانغو”، ومنها كانوا يستقلون القوارب نحو القرى، كما كانت نقطة انطلاق رائعة للمشي في الجبال.
لكن القرى لم تكن كلها سواء، فقد أعجبت أكثر بقرية سان خوان، لهدوئها، وإطلالتها، ولوحاتها الساذجة الجميلة، وحرفها اليدوية الرائعة. وكذلك سانتا كاتارينا بالوبو، حيث كانت النساء يرتدين الهويبيل الشهيرة، وهي سترات ما قبل كولومبية منسوجة يدويًا، بلون أزرق مخضر كثيف.
ثم سانتياغو أتيتلان، التي اشتهرت بالهويبيلات نفسها، هنا مزينة بطيور مرسومة بأسلوب تجريدي، دون أن أنسى غطاء الرأس المحلي، التوكويال، وهو شريط بطول أربعة أمتار يُلفّ فوق رؤوس الجدّات كقرصٍ دائري.
أما الخصوصية الأخرى في سانتياغو، فكانت ذلك المزج الغريب والمرح بين العقيدة المسيحية والمعتقدات الوثنية، في مشهدٍ كان يُغضب رجال الدين.
وبمقابل إكرامية بسيطة، كان طفل أو أكثر يرافقني إلى ماكسيمون، الصنم المحلي، الذي كان يرتدي قبعة، ويمسك سيجارًا، وتُوضع بجانبه زجاجة خمر.
بوبول فوه… إنجيل المايا
كان عليّ أن آتي إلى هنا، إلى تشيشيكاستينانغو (أو تشيشي للمقرّبين)، يوم الخميس أو الأحد. ففي هذين اليومين، كانت هذه البلدة الصغيرة، المأهولة بقبائل المايا الكيشيه، وهم أكبر جماعات الهضبة العليا، تقدّم مشهد أكبر سوق في البلاد.
صحيحٌ أنه لم يكن أكثر الأسواق سياحية، لكنني لم أجد في أي مكان آخر مثل تلك الحيوية، ولا ذلك التنوع الهائل في المنتجات. أكثر من 2000 دكّان كانت تعرض بكل حماسة: هويبيلات مطرّزة، وأقنعة خشبية، وفخاريات، وحليًّا من الفضة أو اليشم، وصناديق مزخرفة، ومنتجات جلدية، وما لا يُحصى من المنتجات.
وفي كل مكان، مئات من الرجال والنساء من السكان الأصليين؛ وكانت نساء تشيشي يتباهين بـهويبيلاتهن ذات الياقات المزينة بزخارف شعاعية، ورسوم زهرية وهندسية مطرزة، وتنانير مخططة بالأزرق مع تطريزات أفقية.
لكن المدينة كانت معروفة أيضًا بكنيستها العائدة إلى القرن السادس عشر، سانتو توماس، حيث عُثر على “بوبول فوه”، إنجيل المايا، الذي كان الجميع يظن أنه ضاع إلى الأبد.
وكما في الكتاب المقدس، يروي بوبول فوه قصة خلق العالم. إلا أن الإله، بحسب الرواية، خلق البشر أولًا من الطين، لكنهم كانوا يذوبون تحت المطر، ثم خلقهم من الخشب، لكنهم كانوا بلا روح. وأخيرًا — وكان عليه أن يفكر في ذلك منذ البداية — خلقهم من الذرة، الغذاء الأساسي لشعب المايا.
وعلى درجات الكنيسة، كان التشوشكاجاو (كهنة المايا) ما يزالون يمارسون طقوسًا تمزج بين الأديان، مستخدمين الكوبال (البخور). ثم كانوا يضعون في الداخل شموعًا مضاءة فوق بتلات الزهور المبللة بالمشروبات الروحية.
وسط غواتيمالا: من كوبان إلى ساياكشي
في وسط البلاد، كانت كوبان محطة ممتازة لتنظيم رحلات طبيعية على طريق بيتين. فهذه أرض شعب الكيكشي، الذين قاوموا الغزاة الإسبان حتى جاء بارتولومي دي لاس كاساس و”هدّأ” المنطقة، ومنحها اسم فيراباز، أي: “السلام الحقيقي”.
وقد جئتُ لأراقب الكيتزال الرائع، طائر المايا الملكي الذي أصبح الرمز الوطني للبلاد. بذيله المزدوج الطويل جدًا، الذي يتراوح بين 60 و90 سم، كان المايا يعتبرونه الثعبان المريش، أي شبه إله، ورمزًا للحرية.
ثم انطلقتُ للسباحة في شلالات سيموك تشامبي، على بعد 60 كيلومترًا شرق كوبان، قبل أن أزور بعد الظهر، حين كانت السماء تتلبّد بالغيوم، كهوف لانكين.
وكانت المبيت هناك ضروري، في نُزل يوتوبيا البيئي، الواقع في آخر الدنيا، وسط مزرعة قهوة. بعد ذلك، عدتُ إلى كوبان، لقضاء ليلة أخرى وتناول عشاء بنكهة الهيل، تلك التوابل المحلية الشهيرة.
وفي اليوم التالي، انطلقتُ نحو كهوف كانديلاريا، على بعد 100 كيلومتر شمالًا، والتي أعاد اكتشافها دانيال درو، عالم الكهوف الفرنسي، الذي بنى هناك نُزلًا، حيث ينظّم نزول النهر بواسطة الأنبوب المطاطي (Tubing).
وأبعد شمالًا، وصلتُ إلى ساياكشي، أولى محطات بيتين، وهي أشبه بقرية من أفلام الغرب الأمريكي. ومن هناك، ركبتُ زورقًا صغيرًا (لانشا) في نهر باسيون، للوصول إلى أطلال المايا في أغواتيكا، وإل سيبال، ودوس بيلاس.
وفي الطريق، رأيتُ تماسيح، وسلاحف، وبلشونات، وغابةً كثيفة، وبعوضًا شرهًا، لكنني كنت أشعر أنني أقترب، خطوةً بعد خطوة، من عالم المايا.
بيتين… على طريق تيكال
في أقصى الشمال، وعلى مساحة تزيد عن 33 ألف كيلومتر مربع، كانت منطقة بيتين تغطي ثلث البلاد تقريبًا. وهناك، كان عشّاق الآثار — أو بالأحرى عشّاق الأدغال — يجدون ما يُشبع شغفهم. لكن قبل ذلك، كان لا بدّ لي من العثور على قاعدة انطلاق.
على ضفاف بحيرة بيتين إيتزا، بدت فلوريس، تلك الجزيرة السياحية الصغيرة، خيارًا رومانسيًا بأزقتها المرصوفة بالحجارة وبيوتها الجميلة التي رُممت لتتحول إلى فنادق أنيقة.
لكن الخيار الأكثر بساطةً وأصالةً كان قرية إل ريماتي، الواقعة على الضفة الأخرى من البحيرة، في منتصف الطريق بين فلوريس وتيكال.
ها هو الاسم الذي كنت أنتظره: تيكال. كانت الغاية الكبرى لكل مسافر في هذه المنطقة، موقعًا أثريًا من حضارة المايا لا يُضاهى في أهميته. ويُعتقد أن أوائل المايا استقروا هناك في القرن السابع قبل الميلاد، لكن المدينة لم تبدأ ازدهارها الحقيقي إلا بين القرنين الثالث والعاشر الميلاديين.
ورغم ازدهارها، لم تخلُ من الاضطرابات السياسية ومؤامرات القصور، كما يحدث في كل مكان. ويعتقد الباحثون أن تشاك توك إيشعاك، الملقب بـ “المخلب العظيم لليغور”، الملك الرابع عشر لتيكال، قد اغتيل على الأرجح سنة 378م على يد سياه كاك، الملقب بـ “الضفدع المدخّن”، وهو جنرال أجنبي كان يعمل لصالح “البومة القاذفة”، ملك المدينة المكسيكية المنافسة تيوتيهواكان.
وفي النهاية، أصبح ابن هذا الأخير، وهو لا يزال طفلًا، ملكًا على تيكال. وكان اسمه ياش آيين نون الأول، أي التمساح الأول.
وفي القرن السادس، هُزمت المدينة على يد ملك كاراكول (في دولة بليز الحالية). ثم كان لا بد من انتظار عهد آه كاكاو، بين القرنين السابع والثامن، حتى تعيش تيكال عصرها الذهبي.
تيكال: موقعٌ مهيب
كانت مدينة تيكال تمتد على مساحة 160 كيلومترًا مربعًا. واليوم، لم أزر سوى 10٪ منها، لأن عددًا كبيرًا من مبانيها ما يزال مدفونًا تحت الأدغال أو اختفى تمامًا.
ومن تلك الحقبة يعود الهرمان المهيبان في الساحة الكبرى، اللذان كانا يضمان قبري الملك آه كاكاو وزوجته، المملوءين باليشم.
وفي الأكروبول الشمالي، رأيتُ تراكبًا من القصور والهياكل التي بُني بعضها فوق بعض، وفق التقنية الماياوية الشهيرة التي كانت تعتمد الإضافة بدل الهدم. ومن الصعب أن أتخيّل أن كل ذلك كان في الأصل مغطى بألوان زاهية.
وعلى أحد الجوانب، كان هناك ملعب كرة مقدّسة، وهي لعبة ذات طابع ديني كانت حكرًا على النخبة، ولا يُسمح فيها إلا باستخدام الركبتين والوركين.
ولم يكن ينبغي أن أفوّت المعبد الخامس، الذي انتُزع من غلافه النباتي بعد سبع سنوات من العمل الشاق، وكذلك المعبد الرابع، أحد القلائل الذي يمكن تسلّقه. ومن أعلى قمته، على ارتفاع 64 مترًا، تأملت طويلًا الأدغال الغامضة، التي كانت تبرز منها قمم حجرية قليلة، وأسرار حضارة غارقة في النسيان.
وعلمتُ أن هذا المعبد نفسه استُخدم كقاعدة للمتمردين في الجزء الرابع من سلسلة حرب النجوم (Star Wars)، وهو ما ساهم في شهرة تيكال عالميًا.
أما أكبر ساحة بُنيت في عهد سلالة مخلب اليغور، فقد سُمّيت “العالم المفقود”. وكان ذلك تكريمًا لرواية The Lost World للسير آرثر كونان دويل، والد شيرلوك هولمز، والتي استلهم منها مايكل كرايتون رواية Jurassic Park، قبل أن يحوّلها إلى فيلم رجل اسمه ستيفان سبيلبرغ. لقد كانت تيكال بحق، موقعًا هوليوديًا.
الوجه الآخر لغواتيمالا
كان ميل غيبسون، الذي صوّر شعب المايا بصورة شديدة العنف في فيلمه المثير للجدل Apocalypto، يحاول أن يُصلح شيئًا من تلك الصورة عبر تمويل مشاريع مرتبطة بالموقع الجديد الأكثر رواجًا.
إنه إل ميرادور، في أقصى شمال غواتيمالا، والذي لم يكن الوصول إليه ممكنًا إلا عبر رحلة مشي طويلة، شأنه شأن مدن واكساكتون، وناكوم، وياشخا.
وكان ذلك بمثابة نعمة لكل من يحمل في داخله شيئًا من إنديانا جونز. ولعلّ هذا الممثل والمخرج الأمريكي كان عليه أن يتذوّق الأجواء الهادئة والكاريبية في ليفينغستون وريو دولسي.
فـ”النهر العذب” كان نقطة انطلاق رحلة بحرية هادئة على متن لانشا، وسط أخدود رائع تحفّه النباتات الاستوائية، وتغزوه أسراب البلشونات الكبيرة، والبجع، والغاق.
وبعد أدغال تيكال، بدا لي المشهد شبه سريالي، كأنني قفزت عبر الزمن والمكان على متن African Queen بصحبة همفري بوغارت وكاثرين هيبورن.
ولم تكن الصورة بعيدة عن الحقيقة، لأن هذه المنطقة الواقعة شرق غواتيمالا كانت أرض الغاريفونا، أحفاد العبيد الأفارقة. فقد أدخلهم الإسبان والإنجليز إلى جزيرة سانت فنسنت في القرن السابع عشر، ثم اختلطوا لاحقًا بالسكان الأمريكيين الأصليين.
وحين وصلتُ إلى ليفينغستون — التي لا علاقة لها بالمستكشف الشهير بالمناسبة — وجدتُ أجواء الراستا، والريغي، والكمبيا، والميرينغي، وهي أجواء مثالية للاسترخاء والتكاسل، حتى وإن كانت الشواطئ أحيانًا دون التوقعات.
وكان البرنامج واضحًا: سمك مشوي وغيفيتي، ذلك الروم المحلي المصنوع من لحاء الأشجار والجذور.
وهكذا انتهت رحلتي في غواتيمالا، لكنها في الحقيقة لم تنتهِ في داخلي. ففي هذه البلاد الصغيرة بحجمها، الكبيرة بأسرارها، وجدتُ عوالم متجاورة لا تشبه بعضها: مدنًا استعمارية تنام تحت البراكين، وبحيراتٍ وُلدت من غضب الأرض، وأسواقًا تنبض بروح المايا، وأدغالًا تخبّئ معابد حضارةٍ ما تزال تهمس من بين الأشجار، ثم شواطئ كاريبية تعزف إيقاعًا مختلفًا للحياة.
في أنتيغوا، سرتُ فوق حجارة التاريخ تحت عيون البراكين الثلاثة. وفي أتيتلان، تأملتُ مرآة السماء بين القرى الملوّنة. وفي تيكال، شعرتُ أنني ألامس قلب حضارةٍ لم تمت، بل اختبأت فقط في عمق الغابة. أما في ليفينغستون وريو دولسي، فقد اكتشفتُ وجهًا آخر لغواتيمالا، وجهًا أفريقيًّا-كاريبيًّا يرقص على أنغام الريغي ورائحة البحر.
غواتيمالا هي مغامرة كاملة بين النار والماء، بين الأسطورة والواقع، بين القمم المقدّسة وأعماق الأدغال. إنها بلدٌ لا يُزار فقط، بل يُعاش، ويُحكى، ويظلّ عالقًا في الذاكرة طويلًا.

