ذاكرة لا تموت – قصة قصيرة لليافعين

نصي هذا يمثل نموذجًا متميزًا لـ السيرة الذاتية القصيرةالتي تمزج بين الحكي الممتع والدرس التربوي المباشر وغير المباشر، مما يجعله مادة خصبة للمناهج التربوية أو المجلات الموجهة للشباب.

قبل حوالي ثلاثين سنة، حدث معي موقف طفولي بسيط في ظاهره، لكنه بقي عالقًا في ذاكرتي إلى اليوم. كنت في التاسعة من عمري وأنا أمشي في أحد شوارع مدينة الزرقاء في بلدي الأردن، فجأة سمعت صوت بكاء طفلة. التفتُّ، فإذا بها تقف وحدها في الشارع، تبكي وخائفة جدًّا. بعد تردد طويل، اقتربت منها أحاول تهدئتها، لكن لم أستطع أنْ أفهم منها شيئًا، كانت صغيرة جدٌّا، ولا تعرف كيف تعبرعن كلمها.

فكرت بأخذها إلى البيت حتى نساعدها، لكن في تلك اللحظة مرَّت سيارة مكافحة الحشرات، وملأت المكان بدخان أبيض كثيف جدًّا حتى أصبحت الرؤية ضبابية. ازداد خوف الطفلة، فتمسَّكت بي بقوة وبدأت تبكي أكثر. شعرت حينها أنها تعدُّني الأمان الوحيد في تلك اللحظة. وبعد أن خفّ الدخان قليلًا، اصطحبتها إلى البيت. استقبلتها والدتي رحمها الله بحنان كبير، وجلست تهدِّئها وتحاول، أن تسألها عن بيتها، أو اسم أبيها، لكن لم نصل إلى نتيجة تُذكر.خرجنا سويَّة نسأل الجيران ومن في الشارع، لعل أحدًا يدلُّنا على أهلها، لكن دون فائدة. كنَّا نشعر بكل ألم أنَّ أهلها بالتأكيد يعيشون لحظات صعبة وهم يبحثون عنها. اقترح أخي الأكبر أنْ نأخذها إلى مركز الشرطة، لأنَّ هذا أسرع طريق للوصول إلى أهلها. اقتنعنا بالفكرة، وذهبنا بها لتقديم بلاغ إلى مركز الشرطة، بعد أنْ قمنا بتسليم الطفلة، رجونا رئيس القسم بإبلاغنا إذا تمَّ العثور على أسرتها. لم تمضِ ساعات حتى وصلنا الخبر: أعلمنا رئيس المركز بالعثور على أهل الطفلة. شعرتُ براحة كبيرة، وشكرت الله بإعادة الضائعة إلى حضن والديها، وكأن حملًا ثقيلًا انتهى عن صدري. طلب والدها أن يقابلني. كان رجلًا بسيطًا وواضح عليه التعب والقلق. شكرني كثيرًا، وعرض عليّ مبلغًا من المال، لكنني اعتذرت، لأنني شعرتُ أنَّ الموقف إنساني قبل أي شيء. وافقت فقط على دعوته للغداء.

ومن هنا بدأت علاقة لم أكن أتوقعها.

أصبحت الطفلة معروفة لدينا، وتكررت الزيارات بين العائلتين، ومع الأيام كبرنا جميعًا، وانشغل كل واحد في حياته، وانقطعت الأخبار كما يحدث غالبًا. ومرَّتِ السنوات سريعًا، وقبل حوالي سنة ونصف، وصلتني إضافة صداقة على فيسبوك من فتاة لا أعرفها. سألتها من تكون، فقالت لي: “يبدو أنك لا تذكرني… أنا هالة، الطفلة التي وجدتها ضائعة في الزرقاء، هل كبرت لهذه الدرجة أستاذ أيمن العزيز. تفاجأت كثيرًا، ولم أصدِّقْ في البداية. شعرتُ أنَّ الزَّمن عاد بي فجأة إلى تلك اللحظة القديمة. تحدثنا طويلًا، قالت: إنَّها أصبحت اليوم دكتورة في اللغة العربية، وتعمل كأستاذة في الجامعة الأردنية. شعرت بسعادة لا يعادلها سعادة أبدًا. الأجمل من ذلك أنَّ العلاقة التي مضى عليها عشرات السنوات عادت بيننا، لكن بشكل مختلف هذه المرة. أصبحنا نتبادل الحديث، ونتذكر الماضي، ونسأل عمَّن عرفناهم آنذاك. ومع الوقت أصبحت أستشيرها في بعض كتاباتي، لم تبخل عليّ برأيها، وكان لها دور في تطوير بعض نصوصي التي فازت لاحقًا بجوائز عديدة. اليوم، ما زلنا على تواصل، نتبادل التهاني في المناسبات، ونتشارك اهتمامنا بالأدب والكتابة، على أمل أنْ نلتقي يومًا قريبًا بإذن الله على الرغم من تغير السنين والجغرافيا.

هذه التجربة علمتني أنَّ بعض المواقف الصغيرة التي نمرُّ بها في حياتنا قد لا تكون عابرة كما كنا نظن، وأنَّ فعلًا بسيطًا، قد يبقى أثره لسنوات طويلة… إنها الذاكرة التي لا تموت.

no
no

لقد ساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال

اختار المشارك أن يبقى مجهولًا.

المعلومات المقدمة حول هذا الموضوع ليست بديلاً عن المشورة المهنية ، ويجب عليك استشارة أحد المتخصصين المؤهلين للحصول على مشورة محددة تتناسب مع وضعك. بينما نسعى جاهدين لضمان دقة المعلومات المقدمة وحداثتها ، فإننا لا نقدم أي ضمانات أو إقرارات من أي نوع ، صريحة أو ضمنية ، حول اكتمال أو دقة أو موثوقية أو ملاءمة أو توفر المعلومات أو المنتجات أو الخدمات أو ما يتعلق بها الرسومات الواردة لأي غرض من الأغراض. أي اعتماد تضعه على هذه المعلومات يكون على مسؤوليتك الخاصة. لا يمكن أن نتحمل المسؤولية عن أي عواقب قد تنجم عن استخدام هذه المعلومات. يُنصح دائمًا بالحصول على إرشادات من محترف مؤهل.