قراءة في “عرائش اللبلاب” للدكتورة: مرجان آزرم نوایی

تأمّلاتي حول هذا العمل، لا كناقد، بل كأذنٍ أصغت إلى موسيقى النص وإلى صداه الطويل

النصُّ يأخذُ القارئَ في رحلةٍ شجيةٍ عبر الزمن، حيث تمتزجُ رائحةُ الطفولةِ بمرارةِ الاغترابِ عن الجذور. لقد رَسَمَتْ لنا الكاتبة الدكتورة مرجان لوحةً أدبيةً تتجاوزُ حدودَ الوصفِ الماديّ لتصلَ إلى فلسفةِ الانتماء.

قراءتي كانت قراءةً متأنّية، لا قراءةَ ناقدٍ يتصفّح، بل قراءةَ قلبٍ يسمع ما بين السطور. وقبل أن أفيض في الحديث، أودّ أن أقول بصدق: لقد منحني هذا النص لحظةً من النقاء النادر.

حيث تكمن قوة النص وجمالياته

ما فعله النص هنا ليس مجرد كتابة عن نبات، بل تحويلة أدبية بارعة. اللبلاب لم يعد نبتة، بل صار مرآة للروح، صار استعارة كبرى تشمل الهوية والذاكرة والجذور. وهذا، في رأيي، هو الإنجاز الحقيقي للنص.

عناصر تضافرت بشكل جميل:

الصورة البصرية المتدرّجة، فقد تنقّلت الكاتبة بخفة لافتة من الجدار القديم، إلى الأصيص الصغير، ثم إلى تأمّل الذات. هذا التدرّج خلق إحساسًا بالوحدة، وجعل النص يتدفق بسلاسة نادرة، كأنه نهر هادئ يأخذ القارئ من مشهد إلى مشهد دون أن يشعر.

الموسيقى الداخلية للغة. كلمات مثل أحضان، عتيقة، جصية، خُضار حالم لم تُختر عبثًا. هذه المفردات خلقت نغمة خافتة وحنونة تتماشى مع المزاج الوجداني للنص حيث شعرت أثناء القراءة للكلمات صدى يشبه وشوشة الذاكرة.

العمق الفلسفي الخفي. وهنا مربط الفرس. القفزة من وصف النبات إلى تأمل “الانفصال عن الأصل” كانت ذكية ومؤثرة. تحديدًا، كما كانت عبارة مثل: “الظلّ البعيد لما كان” موجعة بصدق. فهذا ليس مجرد حنين، بل فلسفة كاملة عن الاغتراب الداخلي، مصوغة باقتصاد لغوي رفيع.

 تأمّلات صغيرة لزيادة الألق

بما أن أساس النص متين، فإن ما سأقوله ليس تعديلاً، بل اقتراحات لتكثيف الجمال الموجود أصلا، والوصول به إلى أقصى طاقته.

فيما يتعلق بالمفردات، وبما أن “الخُضرة” هي روح النص ونبضه، وجدتُ أن هناك مساحة رحبة للتنويع. قد يكون من الممتع استكشاف كلمات مثل: نضارة، ألق، بريق، حياة. هذا التنويع يمنح كل مشهد نكهته البصرية الخاصة، ويقي النص من التكرار الذي قد يُضعف وهج الصورة.

أمَّا عن اللحظة الدرامية المحورية، وأقصد قصة غصن اللبلاب الذي انتُزع من أصله، فقد شعرتُ أنها لحظة جوهرية لدرجة أنها تستحق أن تُضاء أكثر. ربما لو مُنحت هذه اللحظة مساحةً أوسع قليلاً، وضُغطتْ فيها المشاعر بقوة أكبر، لأصبحتْ هذه الفقرة هي الذروة التي لا تُنسى، ولَشعرَ القارئ بدراما “الانفصال عن الأصل” في عظامه.

ثم نصل إلى الخاتمة. عبارة “أكتبُ ليهدأ العالم” جميلة جدًّا، بل هي مفتاح النص كله. لكنني أحسستُ بها كأنها تقف على الحافة، تنظر إلى النص من الخارج. فلو أنَّ هذه الفكرة تنفّست داخل النسيج نفسه، أو تسرّبت بهدوء في الجمل الأخيرة، بحيث لا يقولها النص بل يصبح هو إياها. عندئذ، قد يتحول العمل بأكمله إلى ما يشبه قصيدة نثرية واحدة، متصلة، لا شائبة فيها.

كلمة أخيرة

النص ليس مجرد نص، بل قطعة من روح الكاتبة، فقد قطفتِ لنا غصنًا حيًّا من حديقة جدّضتها، وزرعته في أوراقنا. وهذا لا يفعله إلا كاتب يحمل صوتًا صادقًا ونادرًا.

النص:

عَرائش اللبلاب في حديقة الجَدّة

كانت حديقةُ بيتِ جدّتي (ماما آتيكه) تضمّ جدارًا تاهَ في أحضانِ اللبلاب، كأنّ الزَّمنَ قد توقّف عنده ذات يومٍ ولم يجرؤ على المضيّ بعد ذلك.

كانت سيقانُ اللبلاب دائمةَ الخُضرة؛ حتى أوراقُها العتيقةُ الذابلة كانت مشبعةً بنوعٍ صامتٍ من النضارة، نضارةٍ لا تموت.

كنتُ طفلة هادئة، ألوذُ بذلك الركن من الحديقة وألعب، كأنني أختبئ في ذاكرةٍ خضراء لا تنتهي.

وكنتُ أتخيّل: ليتني أستطيع أن أنقل هذه النباتات المتسلّقة إلى بيتنا، إلى غرفتي، لتُحيي جدرانها الجصّية بذاك الخُضار الحالم… لكنني كنت أعلم يقينًا أنّه إنْ قُطع منها غصنٌ، ذبل ومات فورًا.

وفي يومٍ ما، قطعتُ غصنًا منها ووضعته في الماء؛ فأنبتَ جذورًا، ثم غرسـتُه في تربةِ أصيصٍ صغير، لكنه خرج نباتًا هزيلًا غريبًا، بلا ذاكرة، بلا نسب، كأنه انفصل عن أصله ولم يعد يفهم لغة أمّه.

واليوم، حين أنظر إلى تلك اللبلابات، أرى نفسي منعكسةً في خُضرتها؛ فنحن أيضًا كذلك… جذورنا ممتدة في ترابٍ لا فكاك لنا منه. وأينما ذهبنا، وإن بقي فينا شيءٌ من الخُضرة، فلن نعود نحن كما كنّا… إنما نظلّ ظلًّا بعيدًا لذلك الإنسان الذي كان، يعيش في أقاصي الذكرى.

أكتبُ ليهدأ العالم…

#مرجان_آزرم_نوایی

no
no

لقد ساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال

اختار المشارك أن يبقى مجهولًا.

المعلومات المقدمة حول هذا الموضوع ليست بديلاً عن المشورة المهنية ، ويجب عليك استشارة أحد المتخصصين المؤهلين للحصول على مشورة محددة تتناسب مع وضعك. بينما نسعى جاهدين لضمان دقة المعلومات المقدمة وحداثتها ، فإننا لا نقدم أي ضمانات أو إقرارات من أي نوع ، صريحة أو ضمنية ، حول اكتمال أو دقة أو موثوقية أو ملاءمة أو توفر المعلومات أو المنتجات أو الخدمات أو ما يتعلق بها الرسومات الواردة لأي غرض من الأغراض. أي اعتماد تضعه على هذه المعلومات يكون على مسؤوليتك الخاصة. لا يمكن أن نتحمل المسؤولية عن أي عواقب قد تنجم عن استخدام هذه المعلومات. يُنصح دائمًا بالحصول على إرشادات من محترف مؤهل.