في محراب الخمسين قراءة نقدية لمهرجان المونديال بين وهج الإلهاء وجدوى العمل
لم أكد أتجاوزُ في مِعراجِ العمرِ خريفَ الخمسينَ الأولى، حتى جرت بي الأقدارُ في مَساربِها التي لا تُستأذن، فكنتُ من قبلُ على غُنْيةٍ من هذا «المونديالِ» الضجيجيّ، لا أعرفُ منه إلا شذراتٍ مقتطعة، أو شوطاً في خاتمةِ المطافِ يمرُّ خيالاً، فلا يتركُ في النفسِ أثراً ولا في القلبِ شجناً. ولكنْ، شاءتِ الإرادةُ العليا أن أكونَ هذا العامَ في قلبِ المعمعةِ، شاهداً على «مهرجانِ» كندا والمكسيكِ والولاياتِ المتحدة، فما كدتُ أُقْبِلُ عليهِ حتى تمنيتُ -لو أنَّ الزمانَ يُستردُّ- أن تظلَّ صلتِي بهِ بقايا ملخصاتٍ باهتة، لا أن أهدرَ ساعاتِ العمرِ في صميمِ الغواية.
من غنية البعد إلى معمعان الحضور خيبة المواجهة الأولى
أيُّها السادة، إنَّ هذه الكرةَ التي يُلعبُ بها في الميادين، ما هي إلا سِلعةٌ أُحيطت بهالةٍ من الزيفِ لتُباعَ وتُشترى، وما «المتعةُ» التي يَدَّعونها إلا صِنعةٌ تجاريةٌ رخيصة، كبقيةِ المُنتجاتِ التي غزت حيواتِنا دونَ نفعٍ، بل لِتستنزفَ المواردَ وتُشغلَ البال. إنها صِناعةُ «الإلهاءِ» الكبرى، وُضِعت بإحكامٍ لتصرفَ العقولَ عن جِدِّ الحياةِ إلى هزلِها، وتُشغلَ الأممَ بفقاعةٍ من هواءٍ يتقاذفُها الأقدامُ، بينما تتقاذفُ أقدامُ السياسةِ والتجارةِ أقدارَ الشعوبِ.
ولقد تهافتَ ذاك الشعارُ البالي: «الرياضةُ أخلاقٌ»، حتى صارَ عندَ العقلاءِ أُضحوكةً؛ إذْ رأينا في مَجالي هذا المونديالِ من العنفِ واللجاجةِ، ومن سوءِ أخلاقِ المشجعين وتطرُّفِ ميولِهم، ما يُسقطُ كلَّ قناعٍ، ويُعرِّي الفطرةَ عن كلِّ تهذيبٍ. أينَ تلك الأخلاقُ وهم يُحيلونَ الاختلافَ في اللعبةِ إلى معضلاتٍ وجودية، تُشعلُ في الصدورِ من الضغائنِ ما لا يطفئُه المنطقُ ولا يُقوّمُه الوعيُ؟
فضح الزيف التجاري حين تكون الكرة سلعة لا رياضة
بل إنكَ لتلحظُ -ببصيرةِ الحكيمِ لا بنظرِ المخدوعِ- هذا التفاوتَ المريبَ في الموازين، حيثُ تُحرسُ مصالحُ القويِّ، وتُشرعنُ فوقيتُه، وتُحفظُ له استثناؤُه في كلِّ شيءٍ: في الدولِ، والزعاماتِ، واللاعبين، والمنتخباتِ، حتى صارَ العدلُ فيها أثراً بعدَ عين. إنها دُنيا القويِّ الذي يكتبُ قانونَ اللعبةِ ويحكمُ بظُلمِ موازينِها، فإذا استيقظَ الضميرُ، رأى الجورَ جلياً كالشمسِ في رابعةِ النهار.
لقد انقضتِ الدقائقُ من عمري، وهي في ميزانِ الحقيقةِ خُسْرٌ مبين، وأنا أرى هذا البذخَ في الفراغِ، وهذا الإسرافَ في تضييعِ المهجِ. وأجدُني اليومَ أستدعي -بقلبٍ ملؤه الحنينُ والأسى- قولَ مُعلِّمي «محمد سباع» -عليه رحمةُ اللهِ وغفرانه- حينَ كان يضعُ يدَه على جرحِ الزمانِ فينا: «إنَّ ساعتينِ في حراثةِ أرضي، أو رعايةِ شجراتي، خيرٌ لي من كلِّ هذا الضجيجِ الرياضيِّ الفاسدِ المفسدِ».
نعم، واللهِ لَأنْ أُسويَ تراباً، أو أسقيَ غُرساً، أو أُنبتَ خيراً للأرضِ، لهو أَبقى عندَ اللهِ، وأنفعُ للنفسِ، وأكرمُ للرجلِ من أن يبيتَ ساهراً يندبُ حظَّه معَ كرةٍ، لا تُغني من جوعٍ، ولا تُقيمُ لأمةٍ صرحاً، ولا تزيدُ صاحبَها إلا غفلةً عن جِدِّ الحياةِ وبناءِ الكيان.

