حين يكون وراء العدسة إنسان

خواطر بعد ماستر كلاس «استشراف المستقبل بعدسة إنسانية» أمام فريق هواوي الشرق الأوسط

لما انتهى اللقاء، ناولوني باقة من الورد وهدية، ثم أوقفوني أمام الشاشة لالتقاط الصور. ولا أدري لماذا يطلب المصوّر من الرجل أن يبتسم في اللحظة التي يكون فيها أعجز ما يكون عن اصطناع الابتسام! فقد كان في النفس يومئذ من المعاني أكثر مما كان على الوجه من الملامح، وكان في القلب كلام لم تقله ساعة المحاضرة كلها.

وقفتُ إلى جانب الإخوة في فريق هواوي، والتُقطت صورة، ثم صورة، ثم اصطفّ الجمع كله لصورة تذكارية. وظننت، كما يظن الناس، أن الصور جاءت لتعلن انتهاء اللقاء؛ فلما رأيتها بعد ذلك أدركت أنها لم تكن صور ختام، بل صور ابتداء.

فاللقاءات الكبيرة لا تُقاس بما يقال فيها فقط، ولا بعدد الشرائح التي تُعرض، ولا بالتصفيق الذي يعقب الكلمات؛ إنما تُقاس بالأبواب التي تفتحها بعد أن يخرج الناس من القاعة، وبالأسئلة التي تظلّ مستيقظة في عقولهم حين تنطفئ الشاشة، وبالفكرة التي تنتقل من فم المتحدث إلى إرادة السامع، ثم تتحول من كلام إلى عمل.

وكان عنوان حديثي: «استشراف المستقبل بعدسة إنسانية». وقد يبدو في العنوان شيء من الجمع بين بعيدين: المستقبل الذي لم يأتِ بعد، والصورة التي لا تلتقط إلا ما وقع أمامها. فكيف نصوّر ما لم يقع؟ وكيف نقرأ الغد في لقطة من اليوم؟

ولكن أليست الصورة، في حقيقتها، أكثر من تسجيل لما كان؟

إنها علامة على ما سيكون

صورة الطفل في مدرسة فقيرة ليست خبراً عن طفل واحد فحسب، بل سؤال عن مستقبل التعليم. وصورة نهر يضيق ماؤه ليست منظراً طبيعياً حزيناً، بل إنذار بما قد يلقاه الناس من عطش. وصورة أسرة تلتف حول مائدة صغيرة لا تحكي عن بيت وحده، بل عن معنى العائلة في زمن يتسع فيه الاتصال وتضيق فيه الصلة.

الصورة الصادقة لا تقول لك: «انظر ماذا حدث»، فقط؛ بل تسألك: «وماذا ستفعل بعد أن رأيت؟»

وهنا يكون الفرق بين صورة جميلة وصورة مؤثرة.

الجمال يوقف العين لحظة، أما المعنى فيوقظ الضمير زمناً. وقد ينسى الناس صورة أعجبتهم، لكنهم لا ينسون صورة غيّرت شيئاً فيهم.

الأرقام لا تتكلم… حتى نمنحها صوتاً

تحدثتُ في الماستر كلاس عن جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي، لا لأعرض سجلّاً من الإنجازات، ولا لأضع الأرقام على المنصة كما توضع الأوسمة على الصدور؛ فالأرقام، على كثرتها، باردة صامتة، حتى نردّ إليها وجوه أصحابها وقصصهم.

نظمت الجائزة خلال خمسة عشر موسماً رئيسياً مسابقات استقبلت 769,092 مشاركة قدّمها 485,940 مصوراً من 209 دول. وانتقلت موضوعاتها من «حب الأرض» و«جمال الضوء»، إلى «صنع المستقبل» و«الأمل» و«الإنسانية» و«الاستدامة» و«القوة»، حتى بلغت «العائلة» في موسمها الخامس عشر.

وقد يقول قائل: ما أكثر هذه الأرقام!

وأقول: بل ما أكثر البشر الذين يقفون وراءها.

وراء كل مشاركة إنسان خرج في الفجر يطارد ضوءاً، أو انتظر ساعة ليختطف لحظة، أو حمل كاميرته في شارع بعيد، أو صعد جبلاً، أو دخل مخيماً، أو عاد إلى بيت أمه ليكتشف أن أعظم القصص كانت قريبة منه، ولكنه لم يكن يراها.

وهكذا لا تعود الجائزة صندوقاً تصل إليه الصور، بل تصبح مرصداً للمشاعر الإنسانية؛ نقرأ من خلاله ما يشغل الناس، وما يخيفهم، وما يرجونه، وما يرونه جديراً بالبقاء.

فحين كان العالم يتطلع إلى المستقبل، جاء موضوع «صنع المستقبل». وحين اشتدت الأزمات، حضرت «السعادة» ثم «الأمل». وحين صار الماء قضية حياة، صار موضوعاً للصورة. وحين ارتفعت الأسئلة عن الإنسان والطبيعة والتنوع والاستدامة، دخلت كلها إلى المشهد البصري.

لم تكن تلك الموضوعات عناوين تُختار لتزيين الملصقات، بل مرايا عكست تحولات العالم.

وقد علّمتني أكثر من عشرين سنة بين التقنية والبحث والكتابة والتقييم وإدارة المشاريع الثقافية أن الصورة لا تنمو في فراغ؛ فهي ابنة عصرها، ولكن المصور العظيم لا يكتفي بأن يكون ابن عصره، بل يحاول أن يكون شاهداً عليه، وربما دليلاً إلى ما بعده.

بين من يصنع الكاميرا ومن يصنع الرؤية

كان أمامي في القاعة فريق من هواوي؛ خبراء في التقنية والاتصال والهندسة والتسويق وصناعة أجهزة وضعت الكاميرا في جيب ملايين البشر.

وفكرت يومها أن بيننا مجالاً واسعاً للقاء.

فهم يعملون على أن تستطيع العدسة أن ترى في الظلام، ونحن نعمل على أن يعرف الإنسان ماذا ينبغي له أن يرى.

هم يطورون سرعة الالتقاط ودقة التفاصيل وقدرة التقريب، ونحن نحاول أن نطوّر حساسية القلب، ودقة الاختيار، وعمق الحكاية.

هم يسألون: كيف ننتج صورة أفضل؟

ونحن نسأل معهم: كيف نجعل الصورة الأفضل صورةً أنفع وأصدق وأبقى؟

وليس في هذا انتقاص من شأن التقنية؛ فأنا ابن التقنية قبل أن أكون من أهل الصورة، وأعرف أن الآلة حين تُحسن صناعتها توسع إمكان الإنسان. لكنني أعرف أيضاً أن الكاميرا مهما بلغت من الذكاء لا تعرف وحدها لماذا تلتقط، ولمن تلتقط، وماذا سيحدث لمن تقف صورته أمام الملايين.

الآلة تُبصر، ولكن الإنسان هو الذي يرى.

وقد تستطيع الكاميرا أن تلتقط أدق تجاعيد الوجه، لكنها لا تدرك وحدها تعب صاحبه. وتستطيع أن تثبّت الحركة في جزء من الثانية، لكنها لا تعرف أي لحظة تستحق أن تبقى مئة سنة.

هنا يبدأ دور الثقافة، والتدريب، والأخلاق، والوعي البصري. وهنا يمكن أن يلتقي ما تملكه هواوي من تقنية وانتشار عالمي، بما راكمته «هيبا» من خبرة في التحكيم والتدريب والبحث وصناعة المجتمعات الفوتوغرافية.

فالجائزة لم تكتفِ باستقبال الصور وتكريم الفائزين؛ بل قدمت 232 برنامجاً تدريبياً استفاد منها 9,036 شخصاً، وخصّصت برامج لأصحاب الهمم، وللأطفال والشباب، ولموظفي الحكومة، وللنزلاء في المؤسسات الإصلاحية، وللمعلمين والمرشدين.

ولها مبادرات إنسانية وصلت إلى المكفوفين واللاجئين وصنّاع الأمل، كما حوّلت الصور إلى كتب ومجلات ومعارض تنتقل من بلد إلى بلد، حتى لا تموت الصورة بانتهاء المسابقة، بل تبدأ حياتها الثانية في ذاكرة المجتمع.

وما قيمة الصورة إن لم تخرج من إطارها إلى الحياة؟

المصوّرة التي بكت ولم تتوقف عن التصوير

عرضتُ في ختام الماستر كلاس مجموعة من الصور الرياضية.

في واحدة حارس يطير لصدّ الكرة. وفي أخرى لاعب يركض بها. وفي ثالثة فريق يرفع الكأس. وفي رابعة نجم يجلس على العشب وقد غلبه الحزن. وكلها صور قوية، وفيها حركة ولون وتوقيت ومهارة.

لكنني توقفت طويلاً عند صورة أخرى.

لم تكن للاعب يسدد، ولا لحارس يتصدى، ولا لجمهور يحتفل. كانت لمصوّرة تضع عينها خلف الكاميرا، وقد اغرورقت عينها بالدمع وهي تؤدي مهمتها، بعدما اختلطت في نفسها فرحة ابنة مصر بفوز فريق بلادها بركلات الترجيح، بصرامة المصوّرة المطالبة بأن تظل حاضرة، ثابتة، منتبهة إلى اللحظة.

كانت عينها تبتل، ويدها لا ترتجف.

وفي تلك الصورة قصتان، لا قصة واحدة: قصة الحدث في الملعب، وقصة الإنسان الذي يوثقه.

وهنا تكمن الصورة التي تبقى.

فصور المباراة تخبرنا من لعب ومن فاز ومن خسر، أما هذه الصورة فتخبرنا ماذا يفعل الفوز في قلب إنسان كان عليه، في اللحظة نفسها، أن يكون شاهداً ومشاركاً، مهنياً ومحباً، عيناً تسجل وقلباً ينفعل.

الصورة العميقة لا تكتفي بتصوير الحدث، بل تكشف أثر الحدث في الإنسان.

وهذا ما ينبغي أن نعلّمه للجيل القادم: لا تلاحقوا الكرة وحدها؛ التفتوا إلى الوجه الذي تغيّر حين دخلت الكرة المرمى. لا تصوروا الكأس وحده؛ انظروا إلى يد العامل الذي ظل ينظف المدرجات بعدما انصرف الأبطال. لا تنشغلوا بالضوء الساطع حتى تنسوا الظلال التي تكشف الحكاية.

إن بعض المصورين يملؤون الإطار بالأشياء، وقليل منهم يملؤونه بالمعنى.

الصورة في زمن الذكاء الاصطناعي

وسألنا أنفسنا: ماذا يبقى للمصور في زمن تستطيع فيه الآلة أن تصنع مشهداً لم يقع، وأن تضيف إلى السماء غيمة لم تمر بها، وأن تستبدل وجهاً بوجه، وأن تجعل الخيال شبيهاً بالحقيقة حتى يلتبس على الناس؟

والجواب عندي أن وظيفة المصور لن تنقص، بل ستزداد خطورة.

كان المصور قديماً مسؤولاً عن جودة ما نراه، وسيصبح مسؤولاً أيضاً عن صدق ما نراه. كان يُسأل عن التكوين والضوء واللحظة، وسيُسأل اليوم عن المصدر والسياق والأمانة.

لن يكون السؤال الكبير: هل استُخدم الذكاء الاصطناعي؟

بل: كيف استُخدم؟ وهل صرّح صاحبه بذلك؟ وهل خدم المعنى أم زوّر الحقيقة؟ وهل حفظ كرامة الإنسان أم حوّله إلى مادة للاستعراض؟

التقنية ليست عدواً للفن، كما أن القلم لم يكن عدواً للفكرة، ولا المطبعة عدواً للكتاب. ولكن كل أداة عظيمة تحتاج إلى ضمير عظيم، وإلا اتسعت قدرتها وضاق نفعها.

لماذا نحتاج إلى XMAGE Youth؟

لهذا طرحتُ في خاتمة اللقاء فكرة أراها جديرة بأن تكون خطوة جديدة في مسيرة التعاون: XMAGE Youth Award.

قلت لهم، وما زلت أقول: إن أعظم ما نصنعه للمستقبل ليس أن نكرّم أفضل مصوري اليوم فقط، بل أن نربي أفضل عيون الغد.

وليست الفكرة أن نصنع نسخة مصغرة من جائزة الكبار، فنطلب من الصغار أن يقلدوهم. إنما نريد مساراً يعلّم الناشئ كيف ينظر قبل أن يصوّر، وكيف يفكر قبل أن ينشر، وكيف يحترم الإنسان الذي يقف أمام عدسته.

نريد للشاب أن يعرف أن الصورة ليست ضغطة زر، بل قرار.

أن يتعلم متى يقترب، ومتى يبتعد، ومتى يرفع الكاميرا، ومتى يخفضها احتراماً لألم إنسان.

أن يروي بيته وحيّه ومدرسته ومدينته، لا بعين السائح العابر، بل بعين من يحب المكان ويريد له أن يكون أفضل.

ويمكن أن تكون الجائزة رحلة تبدأ بالتعلّم، ثم الإنتاج، ثم الإرشاد، ثم التحكيم، ثم العرض، فلا يخرج المشارك منها بصورة فائزة فحسب، بل يخرج بشخصية بصرية أكثر نضجاً.

هواوي تملك الجهاز والمنصة والوصول إلى الشباب، و«هيبا» تملك المنهج والخبرة والتحكيم وشبكة المصورين. وإذا اجتمع الانتشار بالمعرفة، والتقنية بالأخلاق، والمنافسة بالتعليم، أمكن أن نصنع برنامجاً لا يبحث عن فائز واحد، بل يبني جيلاً كاملاً من رواة المستقبل.

وهذه، في ظني، هي الاستدامة الحقيقية.

ليست الاستدامة أن نكرر فعالية كل عام، بل أن نترك في كل عام أناساً قادرين على إكمال الطريق من بعدنا.

الصورة الجماعية التي لم تكن للذكرى وحدها

عدت إلى الصور التي التُقطت بعد اللقاء.

رأيت في إحداها شاشة كبيرة خلفي، وفي أخرى يداً ممدودة وأنا أتحدث، وفي ثالثة وجوهاً اجتمعت من ثقافات وخبرات متعددة، وفي رابعة باقة ورد وهدية.

والورد سيذبل، والهدية سيأتي يوم تصبح فيه من أجهزة الأمس، وقد تختفي الصور بين آلاف الصور في الهواتف. ولكن الفكرة الصادقة لا تشيخ إن وجدت من يحملها.

وأحسب أن هذا اللقاء لم يكن محاضرة يقدمها متحدث ويستمع إليها فريق، بل كان تعارفاً بين رؤيتين: رؤية تصنع أدوات المستقبل، ورؤية تريد أن يبقى الإنسان في قلب هذا المستقبل.

قد يفتح اللقاء أبواباً لبرامج تدريب مشتركة، ومبادرات للشباب، ومسابقات للتصوير المحمول، وأبحاث في أخلاقيات الصورة، ومعارض تمنح القصص المحلية طريقاً إلى العالم. وقد يكون XMAGE Youth أول باب ندخل منه إلى هذا الأفق.

لكن الأهم من أسماء البرامج وعددها أن نتفق على الغاية: أن نصنع صورة لا تزيد العالم ازدحاماً، بل تزيده فهماً؛ لا تستغل الإنسان، بل تنصفه؛ لا تكتفي بإبهار العين، بل توقظ القلب.

لقد صار في يد كل إنسان تقريباً هاتف فيه كاميرا، ولكن العالم لا يحتاج إلى مزيد من حاملي الكاميرات بقدر حاجته إلى مزيد من أصحاب البصيرة.

فالعدسة قد تكون زجاجاً ومعدناً، وقد تكون نافذة.

والصورة قد تكون ملفاً عابراً، وقد تكون شهادة.

والمصور قد يكون رجلاً حضر الواقعة، وقد يكون إنساناً حفظ معناها من الضياع.

وذلك هو مستقبل الصورة الذي نرجوه:
أن تتقدم التقنية، ولا يتراجع الإنسان؛
أن تزداد الكاميرا ذكاءً، ولا يقل المصور حكمة؛
وأن نبني، معاً، صناعة للصورة لا يكون أثرها في الذاكرة وحدها، بل في الحياة.

no
no

لقد ساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال

اختار المشارك أن يبقى مجهولًا.

المعلومات المقدمة حول هذا الموضوع ليست بديلاً عن المشورة المهنية ، ويجب عليك استشارة أحد المتخصصين المؤهلين للحصول على مشورة محددة تتناسب مع وضعك. بينما نسعى جاهدين لضمان دقة المعلومات المقدمة وحداثتها ، فإننا لا نقدم أي ضمانات أو إقرارات من أي نوع ، صريحة أو ضمنية ، حول اكتمال أو دقة أو موثوقية أو ملاءمة أو توفر المعلومات أو المنتجات أو الخدمات أو ما يتعلق بها الرسومات الواردة لأي غرض من الأغراض. أي اعتماد تضعه على هذه المعلومات يكون على مسؤوليتك الخاصة. لا يمكن أن نتحمل المسؤولية عن أي عواقب قد تنجم عن استخدام هذه المعلومات. يُنصح دائمًا بالحصول على إرشادات من محترف مؤهل.