ليس المصور الصحفي رجلاً يحمل كاميرا فحسب، بل هو شاهدٌ يقتطع من الزمن لحظاته الهاربة، ثم يعيدها إلى الناس وقد غسلتها العين بالدهشة، وصقلها القلب بالمعنى. ومن هؤلاء الذين عاشوا للصورة حتى صارت جزءاً من مصائرهم، يبرز اسم عماد الدين علاء الدين؛ ابن إدلب الخضراء، وربيب حلب الشهباء، ذلك الفنان العربي الذي لم يتعامل مع الصورة يوماً باعتبارها مهنة، بل باعتبارها طريقةً لفهم العالم والإصغاء إلى جماله الخفي.
بدأ عماد رحلته يوم كانت الصورة تُكتب بالضوء على الورق، ويُنتظر ميلادها في غرف التحميض كما يُنتظر انبثاق السر من العتمة. كان من أبناء الجيل الذي عرف قسوة اللقطة الواحدة، حين لم تكن الكاميرا تمنح المصور ترف التكرار، بل كانت تختبر حدسه وصبره وموهبته في كل ضغطة زر.
ثم جاءت الثورة الرقمية بما حملته من تبدلات هائلة، فسقط كثيرون بين زمنين؛ زمن الحنين إلى الأبيض والأسود، وزمن التقنية المتسارعة. أما عماد الدين علاء الدين فقد أحسن العبور بين العالمين؛ لم يخن ذاكرة الضوء القديمة، ولم يخاصم المستقبل، بل حمل حسّه الفني وخبرته الإنسانية إلى العصر الرقمي، فأصبح واحداً من أولئك القلائل الذين جعلوا التقنية امتداداً للرؤية لا بديلاً عنها.
وفي مسيرته الطويلة التي امتدت بين سورية والإمارات، قدّم نموذج المصور الصحفي المتكامل؛ المصور الذي لا تحدّه زاوية واحدة ولا تستعبده مدرسة بعينها. صوّر الفعاليات والأحداث اليومية بعين الصحفي اليقظ، ورافق التحولات العامة بعدسته الشاهدة، ثم مضى إلى الحياة البرية ووجهات السفر والتصوير الرياضي، كأنما كان يبحث في كل مشهد عن نبض الحياة نفسها.
وكان في داخله دائماً شيءٌ من الموسيقى.
فقلّة من يعرفون أن عماد الدين علاء الدين أتقن العزف على أكثر من آلة موسيقية، غير أن الكمان ظل آلته الأقرب إلى روحه، وكأن ذلك الوتر الحزين الممتد بين الكتف والقلب يشبه تماماً علاقته بالصورة. ولعل هذا ما يفسر حساسيته البصرية الفريدة؛ فهو لا يلتقط المشهد كما يراه الناس، بل كما يسمعه من الداخل. في صوره إيقاعٌ خفي، وفي تكويناته انسجام يشبه توزيع النغمات في مقطوعة موسيقية هادئة.
ولذلك لم تكن عدسته مجرد أداة للرؤية، بل كانت أشبه بقوس كمان يعزف الضوء على وجوه الأمكنة والناس.
وفي أعماله الأخيرة، بدا عماد وكأنه بلغ ذروة النضج الفني والروحي معاً، حين اتجه إلى تصوير قباب مساجد الإمارات من الداخل؛ ذلك المشروع البصري الذي تجاوز حدود التوثيق إلى فضاء التأمل الجمالي والوجداني.
لقد التفت إلى ما غفل عنه كثيرون؛ إلى السماء الداخلية للمساجد، حيث تتعانق الزخرفة بالنور، وتتحول الهندسة الإسلامية إلى صلاةٍ صامتة مرسومة بالألوان والخطوط. كانت القباب في صوره أشبه بحدائق نور معلقة فوق الرؤوس، لكل واحدة منها شخصيتها وروحها وسرّها الخاص.
وما يمنح هذه التجربة فرادتها أنها لم تكن مشروعاً جزئياً أو عابراً، بل رؤية متكاملة شملت مساجد الإمارات السبع، في محاولة بصرية غير مسبوقة تجمع بين التوثيق الفني والبعد الحضاري والروحاني. لقد استطاع عماد الدين علاء الدين أن يحوّل القباب إلى خرائط نورانية، وأن يجعل المتلقي يرفع رأسه إلى الأعلى لا ليرى السقف، بل ليرى المعنى.
في هذه الأعمال، يبدو الفنان وكأنه انتقل من صحافة الصورة إلى روحانيتها؛ من التقاط الحدث اليومي إلى تأمل الأبدية المختبئة في العمارة الإسلامية. وإذا كانت الصحافة قد علّمته كيف يرى العالم، فإن قباب المساجد علّمته كيف يُصغي إلى سكونه.
وهكذا تمضي تجربة عماد الدين علاء الدين شاهدة على أن الفن الحقيقي ليس انتقالاً من مرحلة إلى أخرى، بل ارتقاءٌ متصل في سلّم الرؤية. فمن إدلب الخضراء إلى حلب الشهباء، ومن غرف التحميض القديمة إلى عدسات العصر الرقمي، ومن ضجيج الصحافة اليومية إلى السكينة المتعالية في قباب المساجد، ظل هذا الفنان وفياً لرسالته الأولى: أن يمنح الضوء روحاً، وأن يترك للزمن صوراً لا تشيخ.

