في رحابِ الفقد: حين يُحدثنا الموتُ عن معنى الحياة

في رحابِ الفقد: حين يُحدثنا الموتُ عن معنى الحياة

يا لله! ما أسرعَ دورانَ عجلةِ الأيام، وما أعجبَ هذا التوالي في رحيلِ الأحبة! لقد تتابعت علينا المصائبُ في هذه الأيامِ القليلة، وكأنَّ الموتَ أرادَ أن يُذكّرنا -نحن الغافلين- بحقيقةِ الدار التي نعيشُ فيها. فما إن نغلقَ صفحةً من دفترِ العزاء، حتى تُفتحَ أمامنا أخرى، وكأننا في سيمفونيةٍ حزينةٍ لا تتوقفُ أنغامها.
لقد طوى الموتُ في قبضتِهِ أصنافاً من الناس؛ رأينا الشيخَ الذي انحنى ظهرُه من ثقلِ الأيام، والشبابَ الذين كانوا في مقتبلِ العمر يملؤون الأرضَ ضجيجاً وحياة، والنساءَ اللواتي كنَّ في بيوتهنَّ شعلةً من العطاء، بين عزباءَ نقيةٍ، وأمٍّ أدت رسالتها في الحياة، وربت أجيالاً ثم مضت إلى ربها بقلبٍ مطمئن.
أين المفرُّ؟ وقد جاءنا النعيُ في أقرباءَ تربطنا بهم وشائجُ الدم، وفي أحبةٍ لم تكن صلةُ القرابةِ لتبلغَ ما بلغتهُ مكانتهم في أرواحنا. إنَّ في هذا الفقدِ رسالةً لا يفقهها إلا من استبصرَ بقلبِهِ؛ إنَّ الحياةَ ليست إلا “موقفاً” نمرُّ به، وليست “مستقراً” نبني فيه القصور. والذين رحلوا، أصحابُ الأخلاقِ العليةِ الذين نتركُ أماكنهم شاغرةً، هم الذين تركوا فينا فراغاً لا يملؤه إلا الإيمانُ بحكمةِ الله. بل إننا لنجدُ أنفسنا أمام من لم نعرفهم إلا من خلالِ أثرِ أعمالهم الطيبة، فنعرفُ حينها أنَّ الإنسانَ ليس بجسدِه، بل بما يتركُ من سيرةٍ عطرةٍ تسبقُ اسمَه، فكأنَّ الأثرَ هو الحقيقةُ الباقية، والجسدَ هو القشرةُ الفانية.
والعجيبُ في “مقامِ الموتِ المتجدد” هذا، أنَّ الموتَ لا يأخذُ الحاضرَ فحسب، بل يبعثُ فينا ذكرياتِ الراحلين منذ زمنٍ بعيد. فتُفتحُ مغاليقُ القلوب، وتعودُ صورُ الأحبةِ الذين غابوا تحت الثرى، وكأنهم يعودون ليشاركوا في الحديث، فنستعيدُ مواقفهم، ونعيدُ تكرارَ كلماتهم الطيبة، فنتلمسُ آثارهم التي لم تمت، فالكلمةُ الطيبةُ شجرةٌ لا تمت، والفعلُ الحسنُ ينبوعٌ لا ينضب؛ إذ لا يموتُ من خلفَ وراءه في النفوسِ أثراً، ولا يغيبُ من كانت سيرتُه نبراساً يهتدي به السائرون.

وكيف نُحيلُ هذا الفقدَ الموحشَ إلى حياةٍ متجددة؟

إنَّ أجملَ الوفاء، وأصدقَ درجاتِ الحبِّ لمن فقدنا، ليس في تجديدِ الحزنِ وتكرارِ النحيب، بل في **استدامةِ الأثرِ**. فليكن عهداً منا أن نتقمصَ أدوارهم في الخير؛ فنؤدي ما كانوا يؤدونه من صنيعِ المعروف، ونحيي “الكلمةَ الطيبة” التي زرعوها فينا لتكونَ دستوراً أخلاقياً في بيوتنا، ونجعلَ الصدقةَ الجاريةَ “سلوكاً” ممتداً في دروبِ الحياة؛ من علمٍ نافعٍ، أو عملٍ تعليمي، أو غرسةٍ تظللُ العابرين.
إنَّ مقامَ الموتِ هذا يذكّرنا بأنَّ “الرحمَ” التي كانوا يصلونها لا تزالُ تنتظرُ من يطرقُ بابها، فلتكن زيارتنا لأهلهم وأصدقائهم امتداداً لودّهم، وتذكيراً بأنَّ من ماتَ جسده، لا تزالُ روابطه حيةً تنبضُ في قلوبِ محبيه؛ فالموتُ وإن قطعَ حبلَ الوصلِ المادي، فقد تركَ في أرواحنا عهداً بالوفاء، ووصلاً لا يقطعهُ إلا القنوط.
إنَّ الفقدَ الذي نعيشه اليوم ليس إلا تذكيراً بأننا أيضاً على ذاتِ الطريق، وأنَّ الحياةَ ما هي إلا “قنطرة” نعبرها لنصلَ إلى الحقيقةِ الأبدية. فلا تحزنوا حزنَ يأس، بل احزنوا حزنَ من يعلمُ أنَّ اللقاءَ مؤجل، وأنَّ خلودَ الإنسانِ إنما هو في أثره لا في جسده. فمن عاشَ لنفسه ماتَ مغموراً، ومن عاشَ لغيره -أثراً وعطاءً- فقد نالَ خلوداً لا تبليهِ الأيام.

فاللهم اجعلنا ممن يذكرون فيحُسنُ ذِكرهم، ويُرحلون فيُبقى أثرهم، واجمعنا بأحبتنا في دارٍ لا فراقَ فيها ولا وداع. وما نحنُ في هذه الدنيا إلا مسافرون، وخيرُ المسافرين من تركَ في كلِّ محطةٍ مرَّ بها ذكرى طيبةً وأثراً لا يمحوه الزمن، فالحياةُ -في حقيقتِها- ليست بعددِ السنين، بل بمقدارِ ما نتركُ فيها من نبضِ الروحِ في عالمِ المادة.

no
no

لقد ساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال

اختار المشارك أن يبقى مجهولًا.

المعلومات المقدمة حول هذا الموضوع ليست بديلاً عن المشورة المهنية ، ويجب عليك استشارة أحد المتخصصين المؤهلين للحصول على مشورة محددة تتناسب مع وضعك. بينما نسعى جاهدين لضمان دقة المعلومات المقدمة وحداثتها ، فإننا لا نقدم أي ضمانات أو إقرارات من أي نوع ، صريحة أو ضمنية ، حول اكتمال أو دقة أو موثوقية أو ملاءمة أو توفر المعلومات أو المنتجات أو الخدمات أو ما يتعلق بها الرسومات الواردة لأي غرض من الأغراض. أي اعتماد تضعه على هذه المعلومات يكون على مسؤوليتك الخاصة. لا يمكن أن نتحمل المسؤولية عن أي عواقب قد تنجم عن استخدام هذه المعلومات. يُنصح دائمًا بالحصول على إرشادات من محترف مؤهل.