الذكاء الاصطناعي والرأي: من احتكار النخبة إلى فوضى الادعاء
قال المتنبي: «لكل داءٍ دواءٌ يُستطبُّ به، إلا الحماقةُ أعيت من يداويها». وفي الموروث الشعبي المصري يقولون «هبلة.. ومسِّكوها طبلة»، و«الهبلة» في الدارجة المصرية هي الحمقاء، و«الطبلة» آلة موسيقية، كالدف (وكلا اللفظين فصيح)، أما «مسِّكوها» فمعناها أنهم سلّموها الطبلة لتقرعها. ويناقش هذا المثل العامي الضرر الناجم عن الحماقة إذا اقترنت بأداة لها قدرة على المضاعفة والتعظيم (للإزعاج).
وفي سياق هذا المقال، سنعرّف «الحماقة» بأنها سلوك الوصول لاستنتاجات أو قناعات خاطئة نتيجة لعدم إعمال المنطق أو منهجية التفكير العلمي أو معلومات وخبرة المجال. وربما لا يكون هذا هو التعريف التقليدي للكلمة ولكنه ما اختاره الكاتب لهذا المقال.
قديمًا، كانت الصفوة (السلطة والإنتلجنسيا) هم وحدهم أصحاب حق الوصول الحصري إلى الإعلام، وقد لا نختلف في أن العضوية في تلك النخبة المصطفاة لا تضمن سلامة الرأي ولا رجاحته، إلا أن التزامهم بمراعاة الأعراف والتقاليد ربما أضفى بعض الوقار على ما نشروه من آراء وأفكار. وفي المقابل فيعيب الكثيرون أن ذلك أدى إلى احتكار الرأي، والغطرسة الفكرية والجمود ورفض التجديد وتجاهل اهتمامات العامة والجهل بأولوياتهم. ومن ثم رحب الكثيرون بوسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت احتكار الصفوة لأضواء الإعلام، وديمقْرطت الولوج إليه، أي جعلته متاحًا للجميع (على الأقل نظريًا). وسرعان ما تعالت انتقادات البعض لتدهور المحتوى وتفسخ الذوق. وبما أن الجودة والذوق شأنان يحكمهما التفضيل الشخصي، سنحصر اهتمامنا هنا في جرأة طرح أفكار تعاكس المستقر عليه علميًا أو مهنيًا مثل تسطح كوكب الأرض أو علاجات طبية بديلة مثيرة للجدل وغيرها من الأطروحات التي قد تلاقي أحيانًا رواجًا مبهرًا في المنصات وينتج عن بعضها آثار سلبية ملموسة على أفراد ومجتمعات.
سواءً كنت مطلعًا على نسخة المنحنى المنسوبة لداننغ وكروغر أم كنت ذا معرفة بالمنحنى الحقيقي الذي صاحب دراستهما – فلن يفوتك تصريحهما بأن الشخص معدوم / ضحل الخبرة في شأن ما يكون شديد الثقة بأحكامه وآرائه في هذا الشأن، وتقل هذه الثقة مع ازدياد خبرته حتى تصل لنقطة الانعكاس فتبدأ في الزيادة مع اقترابه من منزلة الخبراء في ذلك الشأن. ولعل صاحب الرأي المثير للجدل إذا كان غير متخصص أو غير ذي خبرة في الشأن الذي يفتي فيه، يمكن تفسير ثقته المفرطة في رأيه وشدة تمسكه به جزئيًا من خلال أطروحة داننغ وكروغر – وعلى نفس المنوال يمكن تفسير تشبث متابعيه بأفكاره وإيمانهم المطلق بها.
ويُعرَّف الانحياز التأكيدي بأنه: «ميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات أو تذكرها أو تفسيرها بطريقة تؤكد معتقداته وآراءه السابقة، مع تجاهل أو التقليل من أهمية المعلومات التي تخالفها» – وبينما كان من يعاني هذا الانحياز سابقًا يبذل مجهودًا لانتقاء مصادر ومحتوى يعكس معتقداته المسبقة، نسفت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي الحاجة إلى هذا المجهود من أساسها، حيث أصبحت تمده برصيد لا ينفد من المحتوى الذي يوافق هواه وتحجب عنه، دون أن ترجع إليه حتى، ما لا ينسجم معه.
ثم أتى الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأتت معه «طبلة» ذات قدرات غير مسبوقة على صياغة الآراء والأفكار، لتبدو للعين غير المتخصصة حقائقَ ووقائعَ – في أسلوب الصياغة والألفاظ المستخدمة وتوافق «مظهر» السردية مع السردية العلمية أو المهنية وإن انتفت كل قواعد البحث العلمي والمنهجية المهنية في تحليل الأفكار وطرح النظريات. فتقرأ منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وتتلقى خطط أعمال على بريدك الإلكتروني في العمل متقنة الصياغة، محبوكة الهيئة، بليغة اللغة، منسقة التنظيم وتبدو وكأن صائغها صاحب خبرة في الشأن ومعرفة وثيقة بدهاليزه. أما إن كان القارئ خبيرًا في المجال نفسه فقد لا يفوته عدم ارتباط الأطروحة بالسياق الخاص بالمشكلة التي يتم التصدي لها، أو عمومية الحلول المقترحة، وفي أحيانٍ كثيرة، عدم ملاءمتها لخصوصية المشكلة. فالخطة المقدمة والنظرية المقترحة تعانيان من نقص خبرة صاحبهما وتخضعان لرغبته في التوافق المسبق مع انحيازه (الانحياز التأكيدي) مع وجود أداة سحرية لبناء صرحٍ لا يستند إلى أي أساسات أو أعمدة، لكنه مشيّد بإتقان يغري ضحاياه بسكنه، ثم لا يلبث أن ينهار بمن فيه.
ازدادت قدرات الذكاء الاصطناعي في إصداراته الأخيرة، خاصة بعد إتقان الشركات الصانعة له تدريبه وإضفاء قدرات تحاكي «التفكير» عليه، لا لمجرد استرجاع معلومات دُرّب عليها – فقدمت لنا «النماذج المفكرة» والتي تقوم بتوليد خطة للمستند قبل أن تبدأ في توليد المستند نفسه. ولديها قدرة أفضل على التعامل مع أوامر مقتضبة، قليلة التفاصيل، خاصة تلك التفاصيل التي تُعنى بـ«الكيف». فقط وجّه النموذج المفكر إلى هدفك، وهو كفيل باقتراح كيفية الوصول إليه وتوفير خريطة تفصيلية لذلك. ولكن لا تنسَ – ما يولده الذكاء الاصطناعي في جوهره «الاحتمالات» والخطة التي تم توليدها هي الخطة الأعلى احتمالًا وليست بالضرورة الأنسب لك أو الأكثر توافقًا مع معطياتك. ولكن لتجعلها الخطة المناسبة لك، فأنت بحاجة إلى إطلاع الذكاء الاصطناعي على «السياق» الخاص بك، تفاصيل مشكلتك، تفاصيل قدراتك، خصوصية ظروفك وهكذا. ولكن لكي تنجح في ذلك، قد تحتاج إلى الإلمام ببعض تفاصيل المنهجية المعتمدة للتصدي للمشكلة التي تحاول حلها.. مثلًا: لو طلبت من الذكاء الاصطناعي إعداد دراسة جدوى لمقهى — سيكون من المفيد تزويده بالموقع وطبيعة الحي، ورأس المال المتاح، والمنافسين المحيطين، وهل لديك خبرة سابقة في المطاعم أم لا.
وفي حالة جهلك بالمنهجية – يمكنك أن تطلب من الذكاء الاصطناعي أن يطلعك عليها ومن ثم تستطيع أن تزوّده بالسياق الذي يحتاج إليه. وتقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة بسؤالك عما تحتاجه من معلومات إن غفلت أنت عن ذكرها.
وفي النهاية فإن منتج الذكاء الاصطناعي التوليدي في مسألة ما يتناسب طرديًا مع خبرة المستخدم بالمسألة نفسها ومهارته في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.. وإن لم تتوفر الخبرة في المجال قد يشفع لك اعترافك بجهلك وتضمينك ذلك في توجيهاتك للذكاء الاصطناعي وطلبك له أن يشرح لك منهجية التفكير في حلول المسألة قبل أن تشرعا معًا في حلها.
أما إن كانت المستخدمةُ من قوم داننغ-كروغر ومدمني الانحياز التأكيدي، فإني أشفق على مستقبل يعلو فيه ضجيج «طبلتها».
فهل آن الأوان لأن تهتم المدارس بتعليم التفكير العلمي والنقدي، وتفنيد المغالطات المنطقية والانحيازات المعرفية؟
لا يعمد المقال إلى انتقاد أشخاص بأعيانهم، وإنما يلفت النظر إلى سلوكيات سلبية نعاني منها جميعًا بدرجات متفاوتة. وقد ألّف الكاتب النص وكتبه بنفسه، واستخدم الذكاء الاصطناعي في التدقيق والمراجعة. وخالص الشكر والامتنان لمجموعة من الأصدقاء تكرّموا بمراجعة المقال قبل نشره، فأغنته ملاحظاتهم — وكانت خير دليل على أن خبرة البشر وذوقهم لا يعوّضهما ذكاء اصطناعي.

