بصفتي رحّالة مغربي، أواصل رحلاتي الاستكشافية بحثًا عن الوجهات التي تتجاوز صورتها النمطية وتكشف عن عوالمها الخفية. وفي هذا الإطار، كانت رحلتي رقم (AT970 / AV27 / AV252)، انطلاقًا من الدار البيضاء عبر مطار محمد الخامس، مرورًا بمدريد ثم بوغوتا، قبل الوصول إلى بونتا كانا في جمهورية الدومينيكان، رحلةً طويلة عبر ثلاث قارات تقريبًا، انتهت بي إلى واحدة من أكثر جزر الكاريبي شهرة وإثارة للجدل السياحي.
هناك، حيث تُقدَّم بونتا كانا كواجهة براقة للفنادق الشاملة والشواطئ المثالية، بدأت رحلتي الحقيقية لاكتشاف ما وراء الصورة: بلد لا يمكن اختزاله في شريط ساحلي من الرمال البيضاء وجوز الهند، بل وطن متعدد الوجوه، تتجاور فيه الطبيعة البرية مع التاريخ العميق، والثقافة الممزوجة بالإرث الكاريبي والإسباني، والإنسان الدومينيكاني الدافئ في حضوره وحياته اليومية.
صحيح أن بونتا كانا تبدو كلوحة جاهزة للاستهلاك السياحي السريع، لكن مجرد الابتعاد قليلًا عن الشاطئ يكشف أن جمهورية الدومينيكان أكبر بكثير من هذه الواجهة؛ إنها أرض تمتد من الجبال الشاهقة التي تعانق السحب، إلى القرى المنسية والغابات الكثيفة والمدن التاريخية التي تحمل آثار قرون من التحولات.
بونتا كانا، بشواطئها وفنادقها الشاملة ذات العروض التي لا تُقاوَم، هي الصورة النمطية لجمهورية الدومينيكان، لكنها في الحقيقة ليست سوى الشجرة — أو بالأحرى نخلة جوز الهند — التي تخفي وراءها البلد بأكمله.
هذه الأرض التي وصفها كريستوفر كولومبوس بأنها «أجمل مكان في العالم»، والتي قال إنه وجد فيها «دلائل قوية على الجنة الأرضية»، أبعد ما تكون عن أن تُختصر في مجرد وجهة شاطئية ملساء المعالم ومحددة التفاصيل.
صحيح أن هذا الجزء من الجزيرة يشبه جنة من الرمال البيضاء وأشجار النخيل، لكنه ليس كل شيء. فإذا تجرأت وابتعدت قليلًا عن كرسي الاستلقاء، ستكتشف وجهًا آخر لجمهورية الدومينيكان: مناظر طبيعية استثنائية، وزوايا برية مجهولة، وثقافة غنية متعددة الجذور، وشعب دافئ ومضياف.
صحيح أن هناك من يرى أن أفضل وسيلة “للتنقّل” في جمهورية الدومينيكان هي منشفة الشاطئ! منشفة أشبه بسجادة سحرية، لكنها بالكاد تقلع عن الأرض، وهم ليسوا مخطئين تمامًا.
لكن من المؤسف حقًا اختزال جزيرة هيسبانيولا الأسطورية في مجرد مزيج من الكراسي الطويلة وأشجار جوز الهند والكوكتيلات. فجمهورية الدومينيكان، التي تشغل ثلثي الجزيرة (بينما يخصّص الثلث الآخر لهايتي)، هي بالفعل بلد قائم بذاته، يتميز بشواطئه الساحرة، وغاباته، وسهوله، وقراه الصغيرة الملوّنة، بل ويضم أيضًا قمة جبلية يتجاوز ارتفاعها 3000 متر.
قليل من التاريخ: كيف جعلت الهندُ الإسبانَ يفقدون صوابهم.
هيسبانيولا هي الجزيرة التي وصل إليها كريستوفر كولومبوس في عيد الميلاد عام 1492 للتزوّد بالمياه العذبة، بعد أن وطأت قدماه أولًا إحدى جزر الباهاما، ثم كوبا، عقب رحلة بحرية استمرت 72 يومًا. وكان الملاح مقتنعًا تمامًا بأنه وصل إلى جزر الهند الشرقية، ولذلك أطلق على السكان الأصليين اسم “الهنود”، وهو مصطلح بقي متداولًا حتى اليوم.
كان كولومبوس يؤمن إيمانًا راسخًا بأنه بلغ الهند، ولهذا ترك هناك نحو أربعين رجلًا لتأسيس أول مستعمرة في “العالم الجديد”، قبل أن يعود إلى إسبانيا.
لكن عندما عاد بعد أقل من عام، لم يجد شيئًا. فقد أُبيد رجاله على يد السكان الأصليين. فشنّ كولومبوس حملة قمع دموية، إذ كان مصممًا على استغلال الذهب الموجود في الجزيرة. ومن أجل ذلك، أسّس مدينة “لا إيزابيلا” تكريمًا لإيزابيلا الكاثوليكية، في مكان يقع غرب مدينة لوبيرون الحالية.
وبسبب صعوبة السيطرة على الساحل الشمالي، نقل “عاصمته” إلى الساحل الجنوبي، الأكثر ملاءمة لرسو السفن. وهكذا وُلدت “نويفا إيزابيلا” عام 1496. وبعد أربع سنوات، دمّر إعصار المدينة، فقرر الحاكم إعادة بنائها على الضفة الأخرى لنهر أوزاما، وأطلق عليها اسم “سانتو دومينغو دي غوثمان” تكريمًا للقديس دومينيك، مؤسس الرهبنة الدومينيكانية. وهكذا وُلدت مدينة سانتو دومينغو.
بونتا كانا خفة الاسترخاء التي لا تُحتمل
حسنًا، يمكن للمرء أن يبقى في بونتا كانا، ينغمس في منتجع شامل الخدمات، ولا يشغله منذ الصباح سوى فكرة واحدة: تناول الإفطار بسرعة وركوب القطار الصغير للوصول إلى الشاطئ قبل الجميع.
فالمشهد هناك يفرض نفسه بقوة، وكأننا رأيناه ألف مرة في خلفيات شاشات الحاسوب: ألسنة من الرمال البيضاء تلامسها مياه فيروزية تمتد حتى الأفق، وأشجار نخيل تميل برشاقة نحو السماء، وتحتها أناس مستلقون على الشاطئ في وضع أفقي، بكتاب مفتوح على وجوههم وسماعات في آذانهم.
بونتا كانا هي هذا تمامًا: أن تجعل من الاسترخاء أسلوب حياة، بل دينًا مؤقتًا لأسبوع كامل، بين وجبات جراد البحر، وكأس موخيتو يُحتسى ببطء، وأمسيات صاخبة في الملاهي الليلية.
باياهِيبِي على خطى جاك سبارو
تبعد باياهيبي ساعة واحدة فقط بالسيارة عن بونتا كانا، لكنها تبدو وكأنها عالم آخر. هنا لا وجود تقريبًا لمنتجعات “الكل شامل”، إذ تتركّز هذه الأخيرة على بُعد بضعة كيلومترات في منطقة دومينيكوس. أما في باياهيبي، فلا تزال الأجواء بسيطة، مع أماكن إقامة صغيرة مخصصة للمسافرين المستقلين، ورحلات يومية متنوعة.
إحدى هذه الرحلات تتمثل في ركوب قارب والإبحار نحو جزيرة ساونا، الجزيرة ذات الشواطئ الحالمة، حيث صُوّر أحد مشاهد فيلم قراصنة الكاريبي مع جوني ديب. إنها جزيرة شبه خالية من النشاط البشري (باستثناء قرية صغيرة يسكنها نحو 200 شخص)، وتجسّد الصورة الكلاسيكية للبحر الكاريبي، بمستنقعات المانغروف، والشعاب المرجانية، ومياهها الصافية كالكريستال.
وتُعد ساونا جزءًا من متنزه الشرق الوطني، وهو محمية طبيعية غنية بالتنوع البيولوجي، وتعد الأكثر زيارة في البلاد. وتتيح بعض المسارات (وإن كانت محدودة الإرشاد) للمسافر الفضولي التوغل داخل الجزيرة، خاصة نحو كهوف كانت مأهولة سابقًا من قِبل هنود التاينو، ولا تزال تحتفظ برسومات صخرية يعود عمرها إلى أكثر من ألف عام.
وتنتشر الرسومات الصخرية في كهوف عديدة عبر جزيرة هيسبانيولا بأكملها، لكن أكثرها إثارة (وأيسرها وصولًا) هو كهف “كويفا دي لاس مرافِيّاس”، الذي يقع على بُعد نصف ساعة بالسيارة من باياهيبي.
سانتو دومينغو المدينة الاستعمارية بامتياز
منذ افتتاح الطريق السريع “أوتوبيستا ديل إستي”، أصبحت سانتو دومينغو تبعد نحو ساعتين وربع فقط بالسيارة عن بونتا كانا، ما يجعل زيارتها ممكنة في رحلة يوم واحد إذا انطلقت باكرًا.
تُخفي سانتو دومينغو، وهي مدينة كبرى يزيد عدد سكانها عن ثلاثة ملايين نسمة، تراثًا معماريًا بالغ القيمة يتمثل في “المدينة الاستعمارية”. فهذا القلب التاريخي، بشوارعه المستقيمة المميزة للمدن الاستعمارية الإسبانية، يضم مباني عريقة تعود إلى القرن السادس عشر، مثل قصر ألكاثار دي كولون، وقلعة أوزاما، وكاتدرائية الأمريكتين الأولى.
وقد أُدرج هذا الحي ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، ويمكن اكتشافه من خلال نزهة في شوارعه المخصصة للمشاة، حيث تتجه الأنظار إلى تفاصيل معمارية مدهشة صمدت أمام الزمن، وتماثيل برونزية لرموز وطنية، قبل التوقف في أحد المقاهي والمطاعم الصغيرة التي انتشرت مؤخرًا، مستفيدة من عودة الحياة إلى الحي.
أما ساحة إسبانيا، التي تظلّلها تمثال نيكولاس دي أوفاندو، مؤسس المدينة، فقد أُعيد ترميمها، وهي تُجسّد مكانة هذه المدينة التي اعتُبرت منذ عام 1507 “أول مدينة أوروبية في العالم الجديد”. وتحيط بها أحواض بناء السفن القديمة (لاس أتاراثاناس)، التي تحولت اليوم إلى مطاعم ومتاجر صغيرة، حيث يمكن للزائر أن يستشعر نبض المدينة بين زيارتين لمتاحفها، في مكان يجذب المتنزهين بلا مقاومة.
سانتياغو لعشّاق “عشب نيكو” (السيجار)
لا تبدو سانتياغو، للوهلة الأولى، مدينة مبهجة. فهي تعاني من ازدحام خانق، وتنفث عوادمها في سهل سيباو، الأكثر خصوبة في الجزيرة، والمعروف أيضًا بثرواته من الذهب والفضة والنيكل.
هذه الثروات لم تغب عن أنظار الغزاة الإسبان؛ فمنذ عام 1494، أسّس بارتولوميو دي لاس كاساس، ومن معه من رجال الدين، ديرًا في الموقع الذي تقوم فيه اليوم مدينة لا فيغا.
واليوم، تُعد سانتياغو دي لوس كاباييروس—التي سُمّيت تكريمًا لنحو ثلاثين من النبلاء الإسبان الذين أسّسوها عام 1495—ثاني أكبر مدن البلاد، إذ يزيد عدد سكانها عن مليون نسمة. ورغم ديناميكيتها الاقتصادية، فإن مركزها التاريخي يمكن استكشافه سريعًا، إذ إن العديد من مبانيه دُمّرت بفعل الزلازل المتكررة التي عصفت بالمدينة في الماضي.
تكفي ليلة واحدة للتوقف في سانتياغو، لا أكثر. فقط لزيارة إحدى مصانع السيجار التي تشتهر بها، وهي زيارة يمكن الجمع بينها بسهولة مع زيارة “مركز ليون”، الذي يُعد أغنى متاحف جمهورية الدومينيكان، والمكرّس لتاريخ شعب التاينو، السكان الأصليين للجزيرة.
بويرتو بلاتا مدينة من الزمن “الجميل”
تشهد بويرتو بلاتا اليوم نهضة واضحة. فهذه المدينة، التي كانت يومًا العاصمة الاقتصادية للجزيرة، تراجعت أمام صعود بونتا كانا في تسعينيات القرن الماضي، لكنها الآن تستعيد بريقها من جديد.
لقد تراجعت مشكلات الأمن، وتسعى الحكومة إلى إعادة الاعتبار لهذه المدينة الساحلية التي تعكس طابع أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ويخضع مركزها التاريخي لعملية ترميم شاملة. ومنذ وصول السفن السياحية إلى ميناء “أمبر كوف” القريب، بدأت المدينة تشهد انتعاشًا حقيقيًا: شوارع مُعبّدة من جديد، كورنيش مُهيّأ، مبانٍ مُرمّمة، متاحف مجددة، وانتشار المقاهي والمطاعم وصالات العرض الفنية.
لقد استعادت المدينة جمالها القديم، وأصبح التجول في شوارعها اليوم تجربة مريحة وآمنة. هنا قصر على الطراز الكلاسيكي الجديد أو الفن الجديد، وهناك بقايا عمارة “خبز الزنجبيل” الكاريبية، وفي مكان آخر واجهات منازل خشبية ملونة بطراز جزر الهند الغربية.
أما متاحفها فهي بدورها مميزة، مثل متحف الكهرمان، هذه المادة التي—إلى جانب حجر اللاريمار—تسهم في شهرة الجزيرة. وهناك أيضًا متحف “آباء الأمة”، إلى جانب إمكانية زيارة مصانع السيجار أو معامل تقطير الروم. وبالطبع، لا يمكن نسيان الشاطئ في بويرتو بلاتا.
ريو سان خوان نعومة العيش
تعيش في ريو سان خوان جالية صغيرة من المتقاعدين الفرنسيين، وهو أمر يمكن تفهّمه بسهولة. فالمدينة تتمتع بأسلوب حياة خاص، مع أزقتها الصغيرة المزيّنة بمنازل خشبية ملوّنة، وأكشاك السمك البسيطة، والحانات الصغيرة المفتوحة على كل الجهات، والتي تبثّ موسيقى الميرينغي بصخب مع حلول الليل.
هذه القرية الساحلية الصغيرة للصيادين تقع على أطراف بحيرة، ضمن بيئة من غابات المانغروف التي تُعدّ ملاذًا مثاليًا للطيور البحرية. ويمكن القيام بجولة ممتعة على متن قارب صغير يُستأجر من صيادين سابقين تحوّلوا إلى العمل السياحي.
لكن ريو سان خوان ليست مجرد طبيعة هادئة، بل هي أيضًا ورشة فنية مفتوحة لرسامي الغرافيتي بقيادة Evoca1، واسمه الحقيقي إليو ميركادو، وهو فنان دومينيكاني نشأ في الولايات المتحدة. ومن بين إنجازاته تزيين أجمل واجهات هوليوود وميامي. يسعى هذا الفنان، من خلال أعماله، إلى دمج الفن المعاصر بقضايا الإنسان، وطرح أسئلة حول الفقر الناتج عن العولمة. وهكذا تتحول المدينة إلى مساحة للتجوال والاكتشاف، بحثًا عن لوحات جدارية تظهر في أماكن غير متوقعة.
خاراباكوا وكونستانزا سويسرا الدومينيكان
من كان مستلقيًا على شاطئ بونتا كانا يمكنه أن يتخيّل أنه على بُعد أقل من أربع ساعات، يوجد متسلقون يرتجفون من البرد، يحاولون شق طريقهم وسط الضباب؟ ومع ذلك، فهذا واقع.
إن جزيرة هيسبانيولا أرض متعددة الوجوه، أشبه بكاليدوسكوب من المناظر والتجارب والثقافات. وتعلو الجمهورية الدومينيكية سلسلة جبال “كورديليرا سنترال” كالتاج، وتضم جوهرتين: كونستانزا، المنتجع الجبلي على ارتفاع 1200 متر، حيث يقصد سكان سانتو دومينغو الاستجمام، وخاراباكوا، المعروفة كنقطة انطلاق لرحلات المشي الجبلي، ومركز للأنشطة الخارجية مثل التجديف وركوب الخيل.
فنحن هنا عند سفح قمة بيكو دوارتي، أعلى نقطة في الكاريبي بارتفاع 3098 مترًا. وتشكل هذه السلسلة الجبلية خزان المياه الرئيسي للبلاد، حيث تنتشر الشلالات، وأشهرها شلال “سالطو دي أغواس بلانكاس”، الذي يندفع بقوة هائلة من ارتفاع يقارب 90 مترًا وعلى علو يزيد عن 1800 متر.
وتضم المنطقة أربع حدائق طبيعية، تشكّل وجهة مثالية لعشّاق النباتات، وهواة مراقبة الطيور، وحتى علماء الحشرات، الذين لن ينسوا اصطحاب شِباكهم، إذ تضم المنطقة مئات الأنواع المتوطنة، منها نسبة كبيرة من الفراشات التي لا توجد إلا في جمهورية الدومينيكان.
باراهونا: الساحل البري
يظلّ الجنوب الغربي من جمهورية الدومينيكان منطقة مهملة نسبيًا من قبل السياح بسبب نقص البنية التحتية وصعوبة الوصول. لكن المحظوظين الذين يغامرون بزيارتها سيكتشفون عالمًا لا يزال على طبيعته: تنوّعًا بيولوجيًا مذهلًا، طبيعةً برية، شواطئ مهجورة، قرى منسية… وحلمًا حقيقيًا للسياحة البيئية.
من باراهونا، عاصمة الإقليم، إلى المناظر الصحراوية لبحيرة أوفييدو، مرورًا بمنطقتي باهوروكو وبارايسو (الاسم على مسمّى)، يمتد طريق متعرّج كخيط رفيع بين البحر والجبل، معلّقًا على سفوح سلسلة سييرا دي باهوروكو الخضراء.
عند أسفل المنحدرات الحادة، تتكسر الأمواج على الصخور البارزة، بينما أصبحت بعض الشواطئ الحصوية وجهة مفضلة لراكبي الأمواج ومواقع للمنافسات، مع ضرورة الحذر عند السباحة. وفي الجبال، يمكن استكشاف التضاريس الوعرة على ظهور الخيل وسط غابات استوائية كثيفة تتخللها مزارع القهوة والشلالات التي تشكل بركًا طبيعية منعشة.
في الداخل، تقع بحيرة إنريكييو المالحة، أكبر بحيرة في جزر الأنتيل والمصنفة كمحمية للمحيط الحيوي من قبل اليونسكو، وهي نظام بيئي هش. برحلة قصيرة بالقارب، تصل إلى جزيرة كابريتوس، موطن طيور الفلامنغو والإغوانا المحلية، حيث تكافح بعض التماسيح الأمريكية للبقاء تحت شمس حارقة.
وفي أقصى الجنوب، داخل متنزه خاراغوا الوطني، تكشف بحيرة أوفييدو عن فضاء واسع موحش يعج بالطيور المهاجرة. وعلى مقربة، تُعد باهيا دي لاس أغويلاس واحدة من أجمل شواطئ البلاد. وينتهي الطريق في بيديرناليس، آخر بلدة هادئة قبل الحدود مع هايتي.
شواطئ استثنائية
يمتد الساحل الدومينيكاني على نحو 600 كيلومتر، وقد جعل من البلاد وجهة سياحية شاطئية عالمية. لكن العديد من الشواطئ الأخرى تفوق جمالًا وهدوءًا تلك الشهيرة في بونتا كانا.
على الساحل الأطلسي، تنتشر شواطئ سهلة الوصول. قرب ريو سان خوان، يشكّل خليج بلايا كالتون لوحة مثالية للتصوير، بمياهه الفيروزية الهادئة وظلال أشجار اللوز.
أما بلايا غراندي، فهي شاطئ واسع برمال بيضاء نقية، يتميز بهدوئه وأمواجه القوية ومطاعمه الصغيرة. وفي شبه جزيرة سامانـا، تبرز شواطئ خلابة، من بينها بلايا إل فايي، التي تُعد ملاذًا طبيعيًا للسلاحف، تحيط بها التلال والأنهار والمنحدرات.
جنوبًا، تقدم بلايا ديل دكتور تجربة هادئة بعيدًا عن الازدحام، بمياه صافية ورمال لامعة ونجوم بحر وأسماك استوائية. أما باهيا دي لاس أغويلاس، القريبة من الحدود الهايتية، فهي جنة حقيقية بمياهها الزرقاء الصافية ورمالها البيضاء الناصعة.
ويفضل عشاق رياضة الكايت سورف الساحل الشمالي، خاصة مواقع كاباريتي وبونتا بوبي وبورتيو.
متعة الحياة الدومينيكانية
الموسيقى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، والرقص حاضر في كل مكان. ورغم أن الميرينغي كان لسنوات الرقص الوطني، فقد حلّت مكانه الباتشاتا، برقصة أكثر حميمية، بينما يفضّل الشباب إيقاعات الريغيتون.
أما الكرنفال، الموروث من التقاليد الإسبانية، فيبلغ ذروته خلال شهر فبراير، حيث تعم أجواء احتفالية صاخبة مليئة بالأقنعة والأزياء التقليدية والإيقاعات الحيوية، خاصة في كرنفال لا فيغا الشهير.
في جانب المشروبات، تُعد بيرة “بريسيدنتي” المشروب الوطني، بينما يهيمن الروم بأنواعه المختلفة، خصوصًا علامات بارسيلو وبروغال وبرموديز، سواء شُرب صافياً أو في كوكتيلات مثل “كوبا ليبري” و“سانتو ليبري”.
أما السيجار، فقد أصبح “ذهبًا بنيًا” للبلاد، خاصة بعد انتقال إنتاج علامة دافيدوف إلى هنا. وتُعد منطقة سانتياغو مركز هذه الصناعة، حيث يمكن زيارة المزارع والمصانع والتعرف على مراحل إنتاج السيجار من أوراق التبغ إلى المنتج النهائي.
في نهاية هذه الرحلة الممتدة من الدار البيضاء إلى قلب الكاريبي، يتضح أن جمهورية الدومينيكان ليست وجهة واحدة، بل مجموعة عوالم متداخلة داخل جزيرة واحدة. من بونتا كانا السياحية، إلى باياهِيبي وساونا البرية، مرورًا بسانتو دومينغو الاستعمارية، وسانتياغو الصناعية، وبويرتو بلاتا المتجددة، وصولًا إلى ريو سان خوان وباراهونا الأكثر عزلة وصدقًا، تتشكل صورة بلد لا يُختزل في بطاقة بريدية.
هي رحلة تُذكّر بأن الجمال الحقيقي لا يوجد فقط حيث تُلتقط الصور الأكثر شهرة، بل أيضًا في التفاصيل الصغيرة: في صوت الموسيقى الذي يملأ الأزقة، في ملامح الناس، في الطرقات التي تقود إلى أماكن غير متوقعة، وفي تلك اللحظات التي يشعر فيها الرحّالة أنه لم يعد مجرد زائر، بل شاهدًا على حياة كاملة تدور خارج إطار السياحة التقليدية.
وهكذا، تنتهي الرحلة، لكن الاكتشاف الحقيقي يبدأ هناك فقط، حين نتجاوز الصورة الأولى ونمنح المكان فرصة ليحكي قصته بنفسه.

